.
.
.
.

مُعضلة الدين فى فرنسا

وحيد عبد المجيد

نشر في: آخر تحديث:

ماذا يعنى انتفاض الحكومة الفرنسية ضد تأييد المجلس الأوروبى حق ارتداء الحجاب، واعتراضها على حملة أطلقها لمواجهة التمييز ضد المسلمين فى القارة، والحث على احترام تعدد الأديان والثقافات بوصفه جزءًا لا يتجزأ من مبدأ الحرية؟

ليس جديدًا هذا الاتجاه الفرنسى إلى تقييد حرية ممارسة الشعائر الدينية. ولكنه تنامى فى العقدين الماضيين، وتوسع نطاقه فى السنوات الأخيرة. وهو ليس محصورًا فى التعامل مع المسلمين، وخاصةً فى شقه المتعلق بحمل أو إظهار رموز دينية, ولكنهم الأكثر معاناة منه. ويوضع هذا التقييد تحت عنوان العلمانية حينًا، ومبادئ الجمهورية حينًا آخر. ولكن من يُمارسونه يكونون أصدق حين يتحدثون عن مبادئ الجمهورية، التى تحتمل تأويلاً أوسع من العلمانية.

ليس فى العلمانية، فكرًا وتطبيقًا، ما يُدعم هذه الممارسات التى تتعارض مع مبدأ جوهرى فى النسق الفكرى الأشمل الذى يضمها, وهو أفكار عصر التنوير، وخلفياتها الليبرالية المتعددة الاتجاهات. إنه مبدأ حرية الإنسان الكاملة فى مجاله الخاص، الذى لا يحق لأى كان أن يتدخل فيه. وملبس الإنسان أحد أهم عناصر هذا المجال الخاص. فلا يجوز فرض زى معين على الفرد، أو منعه من ارتداء ملبس يرغب فيه، مادام لا يضر غيره. وأنىَّ لملبس او آخر أن يُلحق مثل هذا الضرر.

ولهذا يبدو استخدام العلمانية لتبرير تدخل فى المجال الخاص متعارضًا مع أحد مقومات نسقها الفكرى الأشمل، الذى كان له مكانه فى النص المؤسس لها فى فرنسا، وهو قانون 1905 المشهور. فقد اتسم هذا القانون بمرونة مُبدعة فى عملية إكمال العلمنة بشكل تدريجى وبدون صدمات.

وعندما نص فى فصله الثانى على أن الجمهورية لا تُدعم أو تُمول أى دين، أضاف ما يُفيد جواز إدراج المصاريف الضرورية لضمان الممارسة الحُرة للشعائر الدينية فى ميزانيات المؤسسات العامة. كما ألزم البلديات بصيانة الكنائس.

ويعنى هذا أن ما يحدث الآن يتعارض مع روح القانون الفرنسى المؤسس للعلمانية، وليس فقط مع مبدأ حرية الإنسان فى مجاله الخاص، الأمر الذى يأخذ فرنسا من العلمانية باتجاه صيغة مُلطَفة للدولة اللادينية.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.