.
.
.
.

التجنيس واقتصاد ما بعد النفط

وائل مهدي

نشر في: آخر تحديث:

لسنوات طويلة ظللنا نتكلم عن السعودة وندافع عن إعطاء الفرصة والأولوية لأبناء الوطن، وكانت هناك أصوات كثيرة معادية للأجانب، وللأسف بعض منهم يحملون درجات علمية مثل الدكتوراه وشغلوا مناصب في بعض أجهزة الدولة، بل إن بعضهم كانوا أعضاء في مجلس الشورى.
كانت مداخلاتهم كلها عنصرية تجاه الأجانب، ولا أدري حقيقة ما إذا كان هذا عن اقتناع منهم أو محاولة لكسب تعاطف أبناء الوطن وتحويلهم إلى متابعين على وسائل التواصل الاجتماعي.
ثم جاء القرار الحكيم من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بمنح الجنسية لمجموعة من المتميزين والمبدعين، وكما نص الإعلان، فإن القرار يتماشى مع رؤية السعودية 2030. كالعادة، فإن الحكومة السعودية في السنوات الأخيرة أخذت قرارات لها تأثير اجتماعي كبير، الهدف منه هو إنقاذ الاقتصاد، وليس تدمير النسيج الاجتماعي الخاص بالمملكة.
من كان يقرأ مقالاتي منذ سنوات فأنا لم أغير موقفي تجاه الأجانب في الاقتصاد، ولا زلت أفتخر بأن الراحل الدكتور غازي القصيبي امتدح مقالاً لي ضد السعودة، لأن السعودة لم تكن سياسة اقتصادية ناجحة، بل كانت سياسة ذات أهداف اجتماعية أكثر.
إن الاقتصاد لا يقوم على الموظفين، بل يقوم على الأفكار والمشروعات والشركات. ولو قرأنا أغلب مناهج الفكر الاقتصادي فإن سنصل إلى حقيقة واحدة وهي أن الاقتصاد الحقيقي يرتكز على رواد الأعمال.
لا أعلم حقيقة إذا ما كان أصحاب الدكتوراه في الاقتصاد المتعصبين والمنغلقين اجتماعياً قد سبق لهم قراءة مؤلفات جوزيف شمبيتر (اقتصادي ووزير مالية سابق للنمسا توفي عام 1950)، لكن لا أتصور أن بوسعهم جهل هذا الرجل العظيم إذا درسوا الاقتصاد فعلاً.
إن أهم أعمال شمبيتر كانت نظريته حول التدمير الخلاق وريادة الأعمال حيث إن الدورة الاقتصادية تبدأ مع ظهور رواد أعمال يقدمون فكرة جديدة لنوع من الأعمال ثم يأتي الباقون ويقلدون هذه الفكرة ثم يمتلأ الاقتصاد بهذا النوع من المشروعات وتبدأ في السقوط ويتبقى منها الأقوياء فقط وهذا هو التدمير الخلاق الذي أشار إليه.
كان مؤمناً جداً بالرأسمالية وقدرة الفرد على إنشاء الاقتصاد وإذا نظرنا لواقع الرأسمالية اليوم فهي قائمة على أفكار وأفراد. ولننظر للتطبيقات، مثل أوبر التي جاءت لتدمر صناعة كاملة من سيارات الأجرة، وتؤسس لصناعة جديدة تبنى فيها العلاقة مباشرة بين صاحب المركبة والراكب بطريقة تضمن حقوق الجميع.
إن المملكة لا تحتاج لرؤوس الأموال، ولكنها تحتاج إلى الأفراد أصحاب الأفكار العالية، وهؤلاء لا جنسية لهم. نعم، قد يكون من الصعب تخيل أميركي أو هندي أو أسترالي يحصل على الجنسية السعودية ولا يتكلم العربية، ولكن لو كان هذا الشخص هو إيلون ماسك القادم أو مارك زوكربيرغ فهل من المعقول أن نترك الاقتصاد السعودي يفوّت على نفسه أشخاصاً بوسعهم تغيير البشرية كاملة، فقط لأن هناك أشخاصاً غاضبين في مواقع التواصل الاجتماعي يكرهون الأجانب، أو هناك سعوديون غير مؤهلين بما يكفي لقيادة الاقتصاد، وكل تفكيرهم محصور في مطالبة الحكومة بتوفير وظيفة لهم نظير 4 سنوات في الجامعة لم يتعلموا فيها غير القليل الذي لا يؤهلهم لسوق العمل؟!
إن دبي تعجّ بالشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمتلكها أجانب، وهؤلاء الآن هم مستقبل اقتصاد دبي بعد رحيل الشركات الكبرى من هناك إلى الرياض بسبب السياسات الجديدة. لنكن منطقيين، ولنتحدث عن مشروعات بسيطة إعلامية، مثل زاوية اشترتها «رويترز» أو مواقع مثل «ومضة» وغيرها تحقق نجاحات كبيرة الآن.
وفي الوقت الذي تعطي فيه الإمارات التأشيرة الذهبية والإقامة الذهبية للمتميزين من أجل الحفاظ عليهم، هناك من يطالب برحيل هؤلاء لو كانوا عندنا. أنا سعيد أن الحكومة السعودية اتخذت قرارات تحفظ العقول والمواهب، لأن الاقتصاد ما بعد النفط لن يكون اقتصاد سلع بل اقتصاد أفكار وخدمات. إن صناعة مثل صناعة التقنية الحيوية تتطلب عقولاً أضعاف ما يوجد في السعودية ولا يمكن أن نجعل كل الشعب عباقرة في هذا المجال، لأن هذه الأمور قدرات شخصية تتفاوت من شخص لأخر.
كل ما تفعله الحكومة اليوم هو بداية لمشوار طويل للتحول إلى غير النفط، ويجب أن تتخذ كثيراً من القرارات المؤلمة أو المفاجئة أو المغايرة لما كانت عليه الأمور، والأهم هو أن كل هذه القرارات تصب في استراتيجية واحدة، وهي بناء اقتصاد غير نفطي. بعد 20 سنة من الآن، لن نستفيد من صاحب الدكتوراه في الاقتصاد الذي يضخ هتافات عنصرية ليل نهار ضد الأجانب على «تويتر»، لكن سنستفيد من عبقري تم تجنيسه وقدّم لنا براءات اختراع ومنتجات تؤسس صناعات جديدة في السعودية، توظف العاطلين الذين كانوا يهتفون معه ضد هذا العبقري.

* نقلا عن " الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.