.
.
.
.

عن كايسيد والحاجة إلى المزيد

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

لعل واحدة من أنفع وأرفع التجارب الإنسانية والمجتمعية، إقليميا وعالميا، التي رعتها المملكة العربية السعودية، خلال الأعوام التسعة المنصرمة، هي تجربة مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين الثقافات والأديان، كايسيد، ذلك الذي غير الطباع وبدل الأوضاع، وفتح أبواب المودات، وأغلق مسار الكراهيات، عزز من بناء الجسور، وجابه دعاة الجدران، وجاب الأرض من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وشهد له القاصي والداني.

على عتبات مرحلة جديدة من عمر كايسيد في مقره الجديد بلشبونة في البرتغال يعن للمرء أن يتساءل عن حساب الحصاد، وما الذي حققه المركز، لا من قبيل المحاسبة، وإنما من باب تأكيد ما هو مؤكد من نجاحات كايسيد، والآفاق المستقبلية التي تنتظر قادمات أيامه، والحاجة إليه.

حين انطلق كايسيد، كانت الأجواء الدولية تخيم من فوق سماواتها غيوم داكنة من التعصب والتمذهب، من صعود الشوفينيات وصحوة القوميات، ناهيك عن انقسام العالم إلى فسطاطين، واحد للعلمانية الجافة، وآخر للأصولية المتطرفة، وما بينهما ضاعت روح التسامح والتصالح مع الذات، وتباعدت المسافات مع الآخر.

عقد من الزمن من عمر كايسيد وقفت فيه المؤسسة على مكامن القوة والضعف لآليات التفاهم والتواصل، ومن الدعوة إلى تكريس ثقافة الحوار الإنساني والعالمي، ومكافحة خطاب الكراهية.

نجحت تجربة كايسيد في إثبات إمكانية العيش المشترك، بل وربما العيش الواحد بين البشر، من غير محاصصة طائفية أو عرقية، وقد كان ولا يزال شعلة التنوير الوحيدة حول العالم التي تجمع بين أعضائها من القيادات الدينية وصانعي السياسات الفكرية من مسلمين ومسيحيين، يهود وبوذيين وهندوس، مقدما بذلك مثالا حيا لمظلة قبول الآخر وفتح أبواب التسامح الإيجابي الخلاق بين الأمم والشعوب الساعية إلى ترقية إنسانويتها في أزمنة مادية واستهلاكية راهنت على سحق الروح وتسليع الإنسان.

يصعب أن يحيط المرء في المسطح المتاح للكتابة بكافة أوجه المبادرات الخلاقة التي قدمها كايسيد طوال نحو عشر سنوات، ويكفي أنه جمع المئات من شباب العالم على طاقة نور فيها الآخر شريك حياة، وليس الجحيم كما قال فيلسوف فرنسا الوجودي الأشهر جان بول سارتر ذات مرة من ستينات القرن المنصرم.

حين انطلق كايسيد كانت نيران التطرف والعنف المجتمعي التي خلفتها فترة ما أطلق عليه الربيع العربي، والذي لم يكن سوى ظاهرة أبوكريفية منحولة ومكذوبة، تكاد تمسك بتلابيب الشرق الأوسط بنوع خاص، وبدا واضحا أن نبرة العنف الديني وقتها قد تعالت منذرة ومحذرة من الهول القادم.

في هذه الأجواء أقدم كايسيد على إطلاق برنامجه للزمالة الدولية، والذي يهدف إلى تدريب وتمكين المعلمين والمؤسسات الدولية من مختلف الأديان، واستطاع البرنامج بحلول نهاية عام 2020، المساهمة في بناء مجتمع وثيق وشبكة تضم 364 خريجا من 67 بلدا يمثلون 9 أديان رئيسة في العالم.

تعني الزمالة تعضيد روح التسامح تلك التي تتقلص من على سطح البسيطة يوما تلو الآخر، وبات اللاتسامح يتخذ أشكالا متعددة، منها ما هو ديني أو عرقي، اجتماعي أو أخلاقي، ومن بين كافة الأشكال التي يتخذها اللاتسامح، من المرجح أن شكله الديني (اللاتسامح الديني) هو الشكل الذي تسبب في حدوث القدر الأكبر من الأذى للإنسانية ولا يزال في المائة عام الأخيرة.

نجح كايسيد طوال السنوات الماضية في خلق حالة من الانفتاح على مسارات التنوع، ومساقات التعددية، محاولا بذلك تخليص المنطقة العربية بنوع خاص من أزمات الانسداد التاريخي ومآلات التكلس العقلي والنقلي، وفتح كايسيد الأبواب واسعة أمام رحابة الإبستمولوجيا وقيد أطر الإيديولوجيا، ما تمثل في مؤتمرات دولية قام عليها كايسيد مثل مؤتمر عام 2019، والذي حمل عنوان: "دور الدين والإعلام والسياسات في مناهضة خطاب الكراهية وتعزيز التعايش السلمي".

لم تتوقف جهود كايسيد عند المؤتمرات بل قدم تمويلا للعديد من المبادرات الخيرة والمغيرة طوال عامي 2020 و2021، مبادرات حوارية في دول عربية تعالج موضوع الآخر وكونه شريك حياة، لا منافسا أو عدوا ينبغي التحسب له أو التحرز منه.

انطلق كايسيد طوال السنوات الماضية من قاعدة التثاقف مع الآخر الدولي، من غير خجل أو وجل، ومن دون مشاعر صغر الذات أو الدونية، فما لدى الحضارة العربية من معين إنساني، كاف إلى أبعد حد ومد في التلاقي مع كل شعوب العالم، ومن هنا بسط كايسيد خطوطه ونسج خيوطه مع شركاء عالميين مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمركز الدولي للوساطة، ومد جسوره إلى مناطق أهملها العالم طويلا لا سيما في قلب القارة الإفريقية التي مزقتها الخصومات، ومن هنا كانت المبادرات في جمهورية إفريقيا الوسطى، نيجيريا، ميانمار، وذلك ضمن خطة المركز لتعزيز الحوار بين أتباع الديانات والثقافات من أجل السلام وترسيخ الحوار والتعايش.

رسخ لدى القائمين على كايسيد يقين بأن الشراكات الإبداعية هي طريق ناجع لتحقيق الأهداف، ومن هنا يفهم المرء أهمية التعاون بين كايسد وبين عدد من المنظمات الدولية المشهود لها بالكفاءة وحسن التدبير، وقد كان من بينها المنظمة الكشفية العالمية.

أولى كايسيد اهتماما واضحا وناجحا بالإعلام العربي، فقد دشن برنامج زمالة الصحافة في المنطقة العربية مع منظمة الإعلام عبر التعاون والتحول الألمانية، بهدف دعم المجتمع العربي بأجيال صحافية وإعلامية واعية، بأهمية الإعلام كسلطة رابعة، ومؤمنة برسالة المنظمتين المهنية وتدريبهم و تأهيلهم على أسس وأخلاقيات ميثاق الشرف الإعلامي، واحترام التنوع وقبول التعددية الدينية والثقافية والعرقية.

يمكن للمرء أن يستفيض، فيما جوهر السطور المتقدمة يفيد بأننا أمام واحدة من أنجح التجارب الحوارية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وأن دعمها وزخمها يصب في رصيد الحضارة الإنسانية بشكل عام وليس العربية بنوع خاص، إنها شمعة أمل نحتاج معها للمزيد من العمل.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.