.
.
.
.

اللعبة الخطرة فى «البحر الأسود»

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

البحر الأسود ليس بعيداً عنا نحن العرب والشرق أوسطيين عموماً. ما يجرى هناك له صدى مباشر على كثير من عناصر ومتغيرات الأمن والاستقرار فى منطقتنا، مما يدعونا إلى مراقبة ما يجرى هناك بكل دقة، خاصة أننا جميعاً لدينا علاقات قوية ومتميزة مع كل أطراف الأزمة المتصاعدة هناك.

لقد استقطب البحر الأسود الاهتمام من الناحيتين السياسية والاستراتيجية منذ القرن السابع عشر، حين كان التنافس على أشده بين روسيا القيصرية والسلطنة العثمانية وكل من بريطانيا حين كانت عظمى وفرنسا، فى ظل ما عُرف بنظام توازن القوى الدولى، وما زال يستقطب هذا الاهتمام نتيجة التوتر الكامن والظاهر بين الغرب ممثلاً فى الولايات المتحدة وحلف الناتو من جهة، ومعها أوكرانيا المتطلعة لعضوية الناتو، وروسيا من جهة أخرى التى تنظر إلى اقتراب الغرب، خاصة حلف الناتو من إقليمها الحيوى كعمل عدائى وتحدٍّ خطير يتطلب كل استعدادات ممكنة لمواجهته بقوة وحسم.

فى الأسابيع الماضية بات البحر الأسود بؤرة للتوتر، ذهبت إلى هناك مدمّرة بريطانية أجبرتها البحرية الروسية على المغادرة، تلتها فرقاطة هولندية، والآن تجرى الولايات المتحدة وعدد من دول الحلف مناورات ذات مغزى، نظراً لما تضمّه القطع البحرية من إمكانيات حديثة وصواريخ وطائرات استراتيجية محمّلة بذخائر شديدة الدمار. الهدف بالقطع رسالة إلى روسيا، كما يقول الحلف، لمنعها من أى عمل عسكرى ضد أوكرانيا. لكنه مبرر أقل بكثير مما تعنيه تلك المناورات، التى تستهدف التدريب المباشر على القيام بعمليات عسكرية موسعة فى بيئة جيوسياسية ذات طابع خاص جداً، وهو ما حذر منه الرئيس بوتين، معتبراً إياه تحدياً خطيراً.

منذ عام 2014، حين قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم، منتزعة إياها من أوكرانيا، التى كانت قد ضُمت إليها فى عام 1954 بقرار من مجلس السوفيت الأعلى حين كانت أوكرانيا جزءاً من الاتحاد السوفيتى البائد، كان الأمر من وجهة نظر موسكو تصحيحاً لخطأ تاريخى وليس استيلاءً على أرض أجنبية، وتأميناً للأراضى الروسية التى باتت مستهدفة من قبل «الناتو»، الذى نقض تعهداته، وأخذ يقترب أكثر وأكثر من حدود روسيا ذاتها وليس فقط دول مجاورة لها.

فضلاً عن أن بقاء شبه الجزيرة فى السيادة الروسية يعنى ضمان حرية حركة أسطول روسيا فى البحر الأسود، الذى مقره مدينة سيفاستبول الاستراتيجية، وإمكانية توجّهه دون عوائق إلى البحر المتوسط، حيث توجد قواعد مهمة للبحرية الروسية، كما هو الحال فى طرطوس السورية، التى توفر لروسيا تأثيراً فى المنطقة، يعاند فى توجّهاته ومصالحه ما يسعى إليه الغرب بقيادة واشنطن لمحاصرة روسيا.

روسيا والصين القوتان المدافعتان عن نظام عالمى متعدّد الأقطاب، يضمن لهما قدراً من الندية فى مواجهة الولايات المتحدة، تمثلان التهديد والخطر الأكبر لواشنطن. ولكل منهما حسابات خاصة فى التعامل معه، وفى دوافعه. فالصين المتّجهة بقوة نحو موقع القوة الاقتصادية الأولى فى غضون عقدين أو أقل، تلعب عمليات الحصار والعقوبات الأمريكية الاقتصادية على الشركات الصينية الكبرى، لاسيما فى مجالات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعى، الوسيلة الأكثر تأثيراً لوقف تمدّدها من وجهة نظر واشنطن. أما روسيا التى تشكل تهديداً عسكرياً ونووياً بالأساس، فالتعامل معها مرتبط أساساً بفكرة نزع المكانة والهيبة وخفض القدرة على منازعة المصالح الأمريكية والغربية بشكل عام، ويلعب الناتو الدور الأهم فى هذه الاستراتيجية.

وهذا الاختلاف فى سُبل مواجهة ما تراه واشنطن، سواء كان يحكمها ديمقراطيون أو جمهوريون، التهديدات التى تمثلها روسيا، عن تلك التى تمثلها الصين، يضع التحرّكات العسكرية للناتو وعملية التمدّد شرقاً فى اتجاه المحيط الإقليمى المباشر لروسيا على قمة سُبل المواجهة، ولكن دون الوصول إلى نقطة مواجهة عسكرية قد تتطور إلى حرب مدمّرة للجميع. ومع ذلك فإن احتمال الوقوع فى حسابات خاطئة قائم بشدة، لاسيما أن سُبل الاتصال بين الطرفين باتت منخفضة وقابلة للانخفاض أكثر ما دام الناتو يطرد ممثلى روسيا من مقر الحلف ويغلق مكتبه الإعلامى فى موسكو، ويوقف الاتصالات مع موسكو كجزء من الضغط السياسى والمعنوى وإلحاق الضّرر بسمعة روسيا، وتعميق مفهوم أن «روسيا شيطان» يجب الحذر منه أمام الرأى العام الغربى تحديداً.

إغلاق أبواب الاتصال بين الناتو وواشنطن من جانب. وبين موسكو ورئيسها القوى من جانب آخر، يعد بوابة شبه إجبارية للوقوع فى حسابات خاطئة شديدة التعقيد وعالية المخاطر، وهو ما حذّر منه رئيس الأركان البريطانى الجنرال نيكولاس كارتر مؤخراً، حيث أشار إلى أن خطر الوقوع فى حرب بين الغرب وروسيا بات كبيراً لأن وسائل الاتصال التقليدية التى كانت معروفة إبان فترة الحرب الباردة لم تعد تعمل، فضلاً عن أن عالم اليوم بات متعدّد الأقطاب وأكثر تعقيداً. وهو ما يُعد نقداً بطريق غير مباشر لسلوك الناتو الساعى إلى عزل روسيا وقطع خطوط التواصل معها. هذا التحذير البريطانى كأنه يدعو إلى فتح قنوات اتصال دبلوماسية لمنع أى تدهور يُفضى إلى ما لا تُحمد عقباه.

محللون روس لديهم فى المقابل ردود على مثل تلك التحذيرات، مستقاة من مواقف الرئيس بوتين، فروسيا الآن ليست هى روسيا قبل عشر سنوات، وقدراتها التسليحية ومستوى جيوشها أعلى بكثير مما يظن الغرب، ولديها أسلحة حديثة كالصواريخ الذكية الموجّهة والفرط صوتية وقطع البحرية الحديثة والقدرات السيبرانية الكبيرة، ومن ثم على الغرب أن يعيد حساباته فى جر روسيا إلى مواجهة عسكرية تحت ذرائع واهية، سواء تعلقت بأوكرانيا أو شبه جزيرة القرم أو أزمة اللاجئين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا. ووفقاً لهؤلاء المحللين فإن روسيا ليست فى وارد غزو أوكرانيا كما تقول الدعاية الأمريكية ولن تبدأ حرباً، ولكنها سترد بقوة على كل قواعد الناتو والولايات المتحدة فى أوروبا وفى الشرق الأوسط حسب هؤلاء المحللين إذا ما تم تهديد الأمن القومى لروسيا، وهى رسالة يمكن وصفها برسالة ردع من الدرجة الأولى، والسؤال: هل وصلت تلك الرسالة إلى الآذان الغربية؟

* نقلا عن " الوطن "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.