.
.
.
.

هل بدأ الفصل السياسي الأكثر سخونة في العراق؟

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

حين زار قائد "فيلق القدس" الإيراني اسماعيل قآني بغداد بعد الإعلان عن محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي مباشرة، فإن ذلك وضعه، وإن مجازاً، في موقع المندوب السامي لسلطة الاحتلال الإيراني الذي وجد أن عليه أن يتدخل قبل أن تتدهور العلاقة بين الحكومة العراقية ومؤسسة "الحشد الشعبي" لتذهب في طريق اللاعودة.

نفى الجنرال الإيراني علمه المسبق بالمحاولة، لا لكي يبعد الشبهات عن الأجهزة الأمنية الإيرانية أو "الحرس الثوري"، بل لكي يستبعد النظرية التي انطوت عليها إشارة الكاظمي إلى أنه يعرف الجهة التي خططت ونفذت، وهي إشارة تتوجه بشكل تلقائي إلى زعماء عدد من فصائل "الحشد الشعبي" الذين سبق لهم أن توعدوا رئيس الوزراء بالقصاص وفي مقدمهم زعيم ميليشيا "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي الذي حمل الكاظمي قبل أيام من المحاولة الفاشلة المسؤولية عن مقتل أحد مناصري "الحشد" المتظاهرين عند أبواب المنطقة الخضراء.

وإذا ما عرفنا أن الميليشيا التي يتزعمها الخزعلي هي واحدة من ثلاثة أو أربعة فصائل مسلحة هي الأكثر تطرفاً في ولائها لإيران، فإن دخول قآني على خط الصراع مباشرة ومن غير أي تأخير إنما يهدف إلى إضفاء نوع من الحصانة على الخزعلي، الذي كان من الممكن أن يُحال إلى القضاء بسبب تصريحاته التي لا تحتاج إلى تأويل لتكون تحريضاً على القتل الذي كان يمثل أفضل مخرج للفصائل المسلحة من أزمتها التي يعتقد "الحشديون" أن تاريخ نزاعهم مع الكاظمي هو السبب في وجودها.

لقد فقد "الحشد الشعبي" الكثير من شعبيته بسبب وقوفه وراء القتلة الذين ألقي القبض عليهم بأوامر من القضاء وتم تحريرهم بالسلاح الذي يُوصف بسلاح المقاومة. لقد صار معلناً بالنسبة الى الشعب العراقي أن تلك المقاومة إنما تمثل سلطة السلاح المتفلّت التي تسعى إلى اخضاعهم لإرادتها وإرجاء قيام دولة القانون.

اعتبر "الحشديون" أن هزيمتهم في الانتخابات التشريعية تقع في الجزء الأكبر منها على عاتق الكاظمي وإن كانوا قد وجهوا إلى دولة عربية تهمة التلاعب بالأصوات ومن ثم تزوير النتائج. ولم تكن تلك النتائج صادمة إلا لأنها جاءت بعدما كان زعماء "الحشد" قد أوهموا أنفسهم بأن دولتهم صارت قاب قوسين أو أدنى من التحقق بعدما صار "الحشد" المقدس جزءاً من الثقافة الشعبية بين صفوف الطائفيين من الشيعة، وهم عبارة عن فئات منتفعة صارت تنظر إلى النزعة الطائفية التي يغذيها وجود "الحشد" باعتبارها نوعاً من الضمانة التي تحفظ لها مصالحها في ظل نظام طائفي ملغوم بالنوايا السيئة وقابل للانفجار في أي لحظة. كان هناك مَن يحلم بقيام دولة "الحشد الشعبي" من غير أن يكون "حشدياً". فـ"الحشديون" إذا أردنا الحقيقة هم مجموعة من الفقراء الذي اضطرهم الجوع إلى أن يضعوا أرواحهم في خدمة مشروع، يعرفون أنه لا يمت إلى العراق بصلة.

ما يعرفه الكاظمي يعرفه الكثيرون في العراق. "الحشد" ليس جيشاً عقائدياً. وليس "الحشدي" سوى مرتزق لو توافرت له لقمة العيش من طريق عمل آخر لدفن ثيابه العسكرية في أقرب حفرة وباع سلاحه كما تُباع الخردة. العراقي لا يقدس السلاح. كانت هناك كذبة مضادة حاول الرئيس العراقي السابق أن يثبتها كما لو أنها حقيقة حين راهن على حب العراقيين للسلاح. اما الحقيقة فإنها تقول إن العراقيين سبق لهم أن جربوا رخاء دولة النفط المدنية. سيُقال إنها بضع سنوات ومضت ولم يبقَ لها أثر. ذلك غير صحيح. ذاكرة الشعوب تظل حية وهي غنية بالصور والأفكار والمشاعر. رئيس مدني وغير طائفي ولم يُعرف عنه ميله إلى الحزبية يمكن أن يحيي ذكرى المرحلة التي حكم فيها عبدالرحمن محمد عارف بالرغم من أنه لم يكن مدنياً، وهي المرحلة التي بنى على أساسها حزب "البعث" مرحلة حكمه الأولى من 1968 إلى 1979.

وبالعودة إلى زيارة قآني فإن الجنرال أدرك أن الخطأ في تنفيذ الاغتيال سيؤدي بالضرورة إلى فتح دفتر الحساب مع "الحشد". لقد دفعت الدولة العراقية إلى "الحشد" عبر السنوات الماضية مليارات الدولارات فما هي الخدمة التي قدمها "الحشد" لقاء ذلك؟

"الحشد" مؤسسة عسكرية طفيلية ليس إلا. غير أن الثابت أن وجوده ضروري من أجل أن لا تقوم دولة في العراق. ذلك ضروري لاستمرار ما يسميه مناهضو الهيمنة الإيرانية بالاحتلال الإيراني. وبهذا فإن "الحشد" ضرورة إيرانية تكتسب أهمية استثنائية في الوقت الذي تسعى فيه إيران إلى أن تربح مفاوضاتها مع دول الاتفاق النووي. فإيران بالرغم من الصعوبات التي تواجهها لتثبيت هيمنتها في العراق ترى أن أي تنازل تقدمه في العراق هو بمثابة قبول بانكماش تدريجي سريع لمشروعها في المنطقة. وهو ما لا يمكنها تفهم أسبابه بغض النظر عن واقعية تلك الأسباب.

لذلك فإن الاعلان الإيراني عن القبول بنتائج الانتخابات التشريعية لا يعني بالضرورة أن إيران ستعمل على تهدئة غضب أتباعها في العراق، بل قد يمثل ذلك الإعلان نوعاً من التضليل الذي برع الإيرانيون في استعماله من أجل إتاحة الفرصة لأتباعهم للوصول إلى هدفهم كما لو أنهم لم يغادروا منطقة الحوار السلمي إلى العنف. فما دامت إيران قد تبرأت من عملية اغتيال الكاظمي فإن أذيالها في العراق سيكونون معفيين من الملاحقة. ذلك هو جوهر الرسالة الإيرانية. ولكن المستلم وهو الكاظمي لن يرضى بأقل من تقديم قتلته إلى القضاء.
في تلك المسافة يقع الفصل الأكثر سخونة في العراق.

* نقلا عن " النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.