.
.
.
.

فضاء على صفيح ساخن

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

جرى العرف أن يقال على الأرض إنها باتت على صفيح ساخن، في إشارة لا تخطئها العين لأوضاعها المرتبكة والملتهبة، أما أن يضحى الفضاء الخارجي لكوكب الأرض برمته على صفيح ساخن، فهذا أمر غريب ومثير، لكنه الحقيقة. لم يكد يختتم مؤتمر غلاسكو الخاص باستنقاذ كوكب الأرض أعماله التي سعت في طريق تخفيف التلوث الذي ضرب الكوكب الأزرق، ومحاولة السيطرة على ظاهرة الاحتباس الحراري، إلا وبلغت الجميع أخبار التلوث الذي يصنعه البشر في الفضاء، وفي إطار من عسكرة الغلاف الخارجي للأرض وساكنيها، وبما يفاقم من درجة غليان البشرية ويقربها يوماً تلو الأخر من نقطة اللاعودة.
ما الذي جرت به المقادير؟ باختصار غير مخل، استخدم الروس صاروخا قاتلا لا يصد ولا يرد، لإسقاط قمرهم الاصطناعي كوزموس والذي أطلق عام 1982، أي في أوج الحرب الباردة بين حلفي «وارسو» و«الناتو».
هل لروسيا الحق في أن تفعل ذلك، مع الأخذ في عين الاعتبار أن التجربة الأخيرة أسفرت عن حالة من الهلع لدى رواد فضاء المحطة الدولية البالغ عددهم سبعة من بينهم أثنين من الروي أنفسهم؟ يحاجج وزير الخارجية الروسي، ووزير الدفاع الروسي بأن بلادهما لم تتعرض لأحد بالأذى، ولم تستهدف أقماراً لدول أخرى، غير أن واقع الحال يخبرنا أن الأمر ليس على هذا النوع من التبسيط المخل، لا سيما وأن التجربة خلفت من ورائها نحو 1500 قطعة من الحطام المداري الذي يمكن تعقبه، ومئات الآلاف من قطع الحطام التي تهدد مصالح جميع الدول في المحطة الفضائية الدولية، وبخاصة في ظل قدرة الشظايا السابحة على اختراق جدران المحطة الدولية بسهولة، ما دفع بالفعل رواد المحطة إلى اللجوء إلى الكبسولات المنفصلة عن المحطة، والتي تستخدم للفرار في حال الكارثة.
تجربة الروس الأخيرة ليست الأولى من نوعها فقد أجروا من قبل تجربتين من هذا النوع، كما أن الصينيين قاموا العام 2008 بتدمير قمر صناعي خاص بهم بنفس الطريقة، ما ولد 2000 قطعة من الحطام المداري القابل للرصد، ولا تزال تلك المواد تشكل خطراً على البعثات الفضائية. تلفت الانتباه ردات الفعل الأميركية الغاضبة إلى أبعد حد ومد، فقد اعتبرت وزارة الخارجية الأميركية أن التجربة خطيرة وغير مسؤولة، في ما أشارت وكالة الفضاء ناسا إلى أن الخطر سيبقى محدقا لسنوات في الفضاء.
ترى هل واشنطن مهتمة بتلوث الفضاء أم أنها ترى في نجاح التجربة الروسية خطوة في طريق عسكرة الفضاء؟ الشاهد أن الولايات المتحدة الأميركية ليست بريئة بالمطلق مما يجري في الفضاء الخارجي للأرض، فهي من بدأت طريق العسكرة عام 1983 من خلال برنامج حرب الكواكب أو النجوم الذي أسسه الرئيس «الجمهوري» رونالد ريجان، وجاء الرئيس ترامب ليستدعيه من دروب الماضي حين وصل إلى البيت الأبيض عام 2016.
لا يعلم أحد في حقيقة الأمر إلى أي حد وصلت آليات عسكرة الفضاء، فالأميركيون بنوع خاص يضعون نصب أعينهم نسج شبكة من الليزر فوق سماواتهم تكفل لهم التصدي لأية منظومة صاروخية تستهدفهم، وها هم الروس يخططون لاستهداف الأقمار الاصطناعية والمحطات الرادارية التي يمكن للأميركيين نصبها في الفضاء الخارجي.
هل من خلاصة ؟ ربما واشنطن وموسكو مدعوتان لمواجهة الكويكبات القادرة على هلاك الأرض، قبل أن يفكرا في التصارع والتنازع معا.

* نقلا عن " الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.