.
.
.
.

التحسس والإحساس

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

التحسس: حالة مرضية ناتجة عن رد فعل الجسد تجاه شيء معيّن، هكذا يُعرّف التحسس عند الأطباء، فهو مرض يصيب بعض الأجسام كردة فعل لبعض ما لا يلائمها، مما هو ملائم لأجسام كثير من الناس، كالتحسس من بعض الأدوية، أو حتى المأكولات والمشروبات، في الوقت الذي فيه هذا الدواء أو المأكول أو المشروب شيء مألوف وعادي بين الناس، وربما منع المتحسس هذا الدواء أو ذاك المأكول عن كل أهله وذويه ومن يعول، وقد يجلس مجلسًا أو يصادف موقفًا فيحذر الآخرين من هذا الدواء أو تلك الفاكهة أو ذاك المشروب! ومنشأ هذا ليس إلا الخلل في جسمه هو، ولا شأن للآخرين. هذا ما جال في خاطري تماماً بتشبيه هذه الحالة بحالات كثير ممن يصابون بتحسس ولكن من نوع آخر، ذلك هو التحسس الفقهي، وهو "التذمر والاشمئزاز" من سماع ما لا يتوافق مع رأيه ولا يلائم حاله، ولذلك تجد منه ما تجده من ذوي التحسس الجسدي، من كثرة الحركة ورفع الصوت ومحاولة دفع المادة التي تسببت في تحسسه، دون النظر إلى ما عليه المسلمون والعلماء والمشايخ من قبول هذا الرأي أو ذاك، واعتباره شيئًا مألوفًا وملائمًا للجميع، وإنما لم يتقبله أفراد، ولا ترد القواعد والتوافقات بمعارضات فردية.

ولعل من يقرأ كلامي هذا سيكون أول ردة فعله افتراءً وتهمًا بقوله:" إننا نتقلب ونتلون بحسب الحال" وأقول: ليس الأمر كذلك. ولو كان كذلك حقًا فلا ضير، وأي ملامة في التحول من رأي إلى رأي أنسب وأحق؟ وهذا هو ما عليه الأسلاف رحمهم الله، ولكن الأمر ليس كذلك، فنحن والكثير الكثير من الفقهاء والمشايخ في هذه البلاد المباركة وفي غيرها من بلاد المسلمين، بحت أصواتنا ونحن ننادي بسلوك الوسطية والاعتدال في الطرح الفقهي وقبول فقه الآخرين من المسلمين الذين يجمعنا بهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليـه وآله وسلم، ونلتقي بهم في رياض البخاري ومسلم والسنن والمسانيد، وننهل من ينابيع الأسلاف باختلاف مواردهم الفقهية التي تصل أحيانًا إلى التضاد تمامًا، لكن دون أن يغير ذلك من سلوكهم الشخصي تجاه بعضهم البعض، ولا تحيزوا عن مجتمعاتهم في مسميات تقزم وتضيق سعة هذا الدين العظيم لكل المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية أيضًا، فقد قال سبحانه: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

لكن حين يعتاد الفقيه على فرض رأيه والنفور من رأي الآخرين تضيق رؤيته حتى تصل به الحال إلى أن لا يرى أحدًا على الحق إلا هو ومن شاكله، والعادة حين يرخى لها الزمام تسيطر على كثير من جوانب الحق وتحاربه، والحق أيضًا حين يعتاد أحدنا على العمل به وقبوله فسيكون أمرًا مرغوبًا وميسورًا، وما مسألة "قيادة المرأة للسيارة" ببعيدة، فقد كانت أمرًا لا يطاق، ولا مجال لأحد أن يضع رأيه أو يرفع صوته بهذا، فمجرد نصرة الرأي الآخر يخرجك عن دائرة "الصادقين والناصحين" وغاية ما في الأمر أن رأي المنع طرح على أساس الفرض «والتحسس من رأي الآخرين» واستغلت فتاوى وكلام العلماء الكبار - رحمهم الله - لترسيخ عادة التحسس الفقهي في المجتمعات، وها نحن تجاوزنا هذه العادة في هذا الأمر وسمح للمرأة بقيادة السيارة، واعتاد الناس على ذلك بمن في ذلك أهل العلم والمشايخ وطلاب العلم، وتبقى النصيحة مرافقة ومصاحبة لأي خلل أو مخالفة شرعية تصدر هنا أو هناك في هذا الأمر أو غيره، ولكنها نصائح وإرشاد تنبع من حرص وإحساس إيماني بعيدًا عن الشتم والسب وقذف الأعراض وبعيدًا أيضًا عن التحسس الفقهي. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.