.
.
.
.

السعودية وإيران. وإدراك التوازن

ياسر عبد العزيز

نشر في: آخر تحديث:

كثير من التطورات السياسية التى تجرى راهنًا فى مجال العلاقات الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط، سيجد تفسيره المنطقى فى نظرية «توازن القوى».

والقوة هى مفهوم جوهرى وأصيل فى علم السياسة، بل هى صُلب هذا العلم وقوامه الرئيس؛ إذ بها يُصنع القرار، ويتم وضعه موضع التنفيذ، وتُختبر قوة الإرادة، وتُعين نطاقات النفوذ، ومن خلالها يتم تأمين المصالح الاستراتيجية للدولة، أو تُقوّض تلك المصالح، وتنشأ حالة من عدم الاستقرار، التى قد تقود إلى مآلات أسوأ.

وعندما تقوم قوة إقليمية بدهس كافة المقررات الأممية المتصلة بنتائج أفعالها السياسية والعسكرية إزاء جيرانها، وتُصر على المضى قدمًا فى التوسع والهيمنة الإقليمية وقضم أراضى الآخرين وضمها، فإنها تكون بذلك قد أنتجت واقعًا لعدم الاستقرار.

وعندما تقول قوة إقليمية أخرى إنها باتت تسيطر على خمس دول فى المنطقة، وإنها بصدد إعلان إمبراطورية تستعيد بها أمجادًا تاريخية، فإنها تدق ناقوس الخطر، وتستنفر طاقات جيرانها من أجل الدفاع عن مصالحهم وأمنهم.

وعندما تقرر قوة إقليمية ثالثة أن تنشر جيشها ومرتزقتها فى بلدان المنطقة التى تبعد آلاف الأميال عنها، وتُنصب نفسها قيّمًا على شرعية الأنظمة الحاكمة فى الدول المجاورة، فإنها بذلك تكون قد أنتجت حالة من عدم التوازن الاستراتيجى.

وتتنبأ نظرية «توازن القوى» بأنه عندما تحقق قوة إقليمية كبرى مقدرات قوتها وتبدأ فى استغلالها من أجل الضغط على الآخرين وتعظيم مصالحها، فإن القوى الكبرى الأخرى فى الإقليم تهرع لموازنة هذا الأمر، إما من خلال تعزيز قدراتها الداخلية الشاملة لمواجهة الخطر، وإما من خلال اللجوء إلى التحالف مع قوى أخرى من أجل جسر الفجوة وجبر النقص فى مصادر قوتها الداخلية.

سيفسر لنا ذلك التوضيح الكثير من التحركات الإقليمية السريعة والمفاجئة التى نشهدها راهنًا؛ إذ تُظهر ثلاث قوى إقليمية غير عربية رغبة فى التوسع والهيمنة على حساب الدول العربية، بينما تجتهد تلك الأخيرة على صعيدى تعزيز قدراتها الداخلية من جانب، وصوغ تحالفات مرحلية أو استراتيجية لموازنة الضغوط الواقعة عليها من جانب آخر.

لا يجب أن تغتر أى دولة من دول المنطقة بحالة الهدوء والاستقرار التى تنعم بها على الحدود مع إحدى جاراتها، إلا فى حالة قدرتها على إحداث التوازن الاستراتيجى مع تلك الجارة.

وجود جارة متفوقة عسكريًا أو تكنولوجيًا أو اقتصاديًا على الحدود لا يصنع سلامًا أو توازنًا فى المصالح، بل يُغرى بالضغط والابتزاز وإمكانية وقوع الاعتداء.

وعلى سبيل المثال، فإن امتلاك إسرائيل قوة عسكرية أو تكنولوجية فائقة تتفوق بها على بلد مثل الأردن لا يمكن أن يسمح لهذا البلد الشقيق بأن يحافظ على مصالحه إلا عبر تطوير قواه الداخلية الشاملة أو تحقيق تحالفات تُمكّنه من إحداث التوازن.

وفى مثال آخر، فإن نجاح إيران فى امتلاك سلاح نووى سيؤدى إلى تعميق الخلل فى توازن القوى بينها وبين جاراتها الخليجيات.

ولهذا السبب، فقد سمعنا ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان يتحدث فى مارس من عام 2018 قائلًا: «لو طورت إيران سلاحًا نوويًا، فإن السعودية سترد بالمثل فى أسرع وقت».

وفى الأسبوع الماضى، قال الأمير تركى الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، إنه يجب على بلاده «القيام بكل ما هو ضرورى بما فى ذلك الحصول على المعرفة لتطوير قنبلة نووية فى سبيل الدفاع عن أنفسنا ضد احتمال امتلاك إيران سلاحًا نوويًا».

لقد ثابرت السعودية على أكبر قدر من الامتثال للمعايير الدولية والاستحقاقات التعاهدية التى تنظم استخدام المعرفة النووية، بشكل يبقيها شفافة وآمنة، وبعيدة عن الاستخدامات ذات الطابع الحربى، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدى إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا تُعمق به حالة عدم التوازن فى المنطقة.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.