.
.
.
.

من وديع إلى قرداحي

علي حسين

نشر في: آخر تحديث:

كنت أنوي أن أخصص عمود اليوم للحديث عن صاحب الصوت العملاق وديع الصافي لمناسبة مئة عام على ميلاده، المطرب الذي غنى للأوطان والفرح والغربة، في أغنيات لا تزال تهز وجدان الناس ومشاعرهم، إلا أن صديقاً نصحني بالابتعاد عن مثل هذه الموضوعات، فأهل لبنان منشغلون بتصريحات جورج قرداحي الذي اكتشفنا أنه لم يربح المليون فقط

وإنما في خزائنه ملايين كثيرة في الوقت الذي يبحث فيه فقراء لبنان عن حليب لأطفالهم. وأنا أبحث عن وديع الصافي لم أجد سوى تغريدات تشكو الحال لما وصلت له "سويسرا الشرق" بلاد فيروز، وصباح، وميخائيل نعيمة، وليلى بعلبكي، وجورج جرداق، وأنسي الحاج، وحسين مروة، والعلامة عبد الله العلايلي، لكنها اليوم يتوقف مصيرها على مزاج السيد جورج قرداحي وتقلباته، وكانت واحدة من هذه التغريدات مؤلمة، كتب صاحبها: " علامات انهيار هوية وطن، انحدارنا من قمة وديع الصافي إلى قعر وديع الشيخ لم أسمع بوطن ينحدر بهذا الشكل " . وفات صاحب التغريدة أن بلاد النهرين تنحدر من ناظم الغزالي إلى صاحب السيمفونية الخالدة "صمون عشرة بألف".

مائة عام على ولادة عملاق لبنان الذي قال يوماً: "يبدو أنني أساعد المُفترين على الوطن والأشرار في حقه. أنا المذنب. أمضيتُ سنوات في الغناء للطبيعة والبحر والجبل. كنتُ أصنع إعلاناً عن وطن فريد، فاستغلّوا الدعاية وهشّموا جماله".ومائة عام أيضاً، على ولادة مواطن عراقي اسمه ناظم الغزالي أشاع الفرح والبهجة في نفوس العراقيين، واصطاد لهم حكايات الحب، قبل أن يخرج عليهم الخبير الستراتيجي حيدر البرزنجي ليشيع الشتيمة والصراخ . نتذكر وديع الصافي الذي جاء من إحدى قرى لبنان، مثلما نتذكر ناظم الغزالي الذي ولد في زقاق بغدادي.

وّحد وديع الصافي جميع المنفيين عن بلدانهم بسبب أحزاب الخراب برائعته "ياعيني على الصبر"، مثلما وحد ناظم العراقيين بأغنيته "فوك النخل"، ولم نكن ندري أن دروب الغربة والموت ستبتلع أبناء العراق، وأن وزارة الهجرة العراقية تعتبر هروب المئات من العراقيين حرباً سياسية تخوضها بلدان أوروبا فيما بينها. هل هناك نكتة موجعة أكثر من هذه؟، لم تخبرنا وزارة الهجرة، مشكورة، عن المخيمات التي لا تزال مئات العوائل العراقية تتخذها سكناً، وعن الذين هُجّروا من مناطقهم.

نكتب عن وديع الصافي وناظم الغزالي ونتأسى على زمن جميل، لأن الحاضر الذي نعيشه باهت، بلا لون ولا طعم، ونبحث عن الذين صنعوا لنا الفرح، بينما البعض يريد لنا أن نعيش معركة جورج قرداحي الذي يصر على أن يشيع بين اللبنانيين الهم والغم. ونتمنى أن نُصبح دولة سوية تكرم الذين يستحقون التكريم، ولا تنشغل بالبحث عن تقلبات عالية نصيف وغياب هيثم الجبوري، وتفانين محمود المشهداني.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.