.
.
.
.

التصدي للخطابات العنصرية والمذهبية في السعودية!

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

الجمعة، 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، كنت ضيفاً ضمن برنامج "MBC في أسبوع"، للحديث عن "خطوات التسامح والانفتاح في السعودية"، وهي ممارسات أخذت في التجذر بشكل أكثر جدية منذ تولي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، مقاليد الحكم في كانون الثاني (يناير) 2015، وزاد من وتيرتها التذكير الدائم في الخطابات الملكية على رفض التمييز الطائفي والمناطقي، والتأكيد على المساواة والعدالة بين المواطنين.

"رؤية السعودية 2030"، التي دشنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وإن كان تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل محركاً رئيساً فيها، إلا أنها في جوهرها عملية تنوير ديني وثقافي واجتماعي، تعمل على هدم بنى التخلف والتعصب والماضوية، واستبدالها بقيم حديثة، مدنية، بعيدة عن النزعات الأقلوية وفكرة التفوق لجماعة أو عرق أو مذهب أو جهة على بقية شركاء الوطن!

هذه "الرؤية" هي النقيض الفعلي والحقيقي لفكر "الإسلام السياسي"، بشقيه "السني" و"الشيعي"، ذلك لأنها تسعى لأن تنزع من "الدين" عوامل التفجير والصدام، وتحوله من خطاب يدعو إلى الحقد ويحرض على الكراهية، إلى ممارسات ذات روحانية متسامية على الخصومات، ورحمة للعالمين.

ذلك، ولكي تحقق "الرؤية" أهدافها بشكل فعال، كان لا بد من تخفيف توغل الخطاب الديني في المجال العام، ووضع حد واضح وصارم أمام "الخطابات الطائفية والعنيفة"، لأن الإسلاموية لا يمكنها أن تتعايش مع المدنية، فهي ستعمل على رفض أي تنوع، وستسعى لأن يكون العالم على شاكلتها وحسب!

كان "الحركيون" في السعودية ينشرون خطاباتهم التحريضية عبر منابر الجمعة، فتراهم يحرضون على "الشيعة" و"الصوفية" و"الإسماعيلية"، فضلاً عن "العلمانيين" و"الليبراليين"، دون أن ينسوا الدعاء بالهلاك على "المسيحيين" و"اليهود"! لقد كان هؤلاء الدعاة أصواتاً فعلية لـ"الكراهية"، وهم بذلك دفعوا الكثير من الشباب إلى التطرف وحمل السلاح والانخراط في العمليات الإرهابية، التي خاضت ضدها الدولة حرباً لا هوادة فيها، حفظاً للأمن وحقناً لدماء الأبرياء.

الشباب الذين ذهبوا إلى القتال مع "داعش" و"القاعدة"، هم ضحايا أو مؤمنون بسردية "السرورية" و"الإخوان المسلمين" و"السلفية التكفيرية"، ما جعلهم لا يقفون عند حد تكفير من يختلفون معهم مذهبياً، بل وصل الأمر بهم لتكفير الدولة السعودية وحكامها، وأقدم البعض منهم على تكفير أفراد من عائلته، بل ذُبحَ عدد من الضباط والأقارب، واستهدفت المساجد، في عمليات دموية غاية في البشاعة، وكان التبرير في ذلك، فتاوى نزرٍ من رجال الدين المتطرفين، الذين تم توقيف من تورط منهم في التحريض والإرهاب.

إن حديث الأمير محمد بن سلمان عن "تدمير" الخطابات الأصولية، وتشدده تجاههم، هو أمرٌ نابع من معرفته التامة، أنه لو تُركتِ الساحةُ نهباً للأصوليين، فمعناه أن لا مجال لبناء دولة مدنية حديثة، وأن الاقتتال الأهلي سيقع عاجلاً أم آجلاً بين مكونات المجتمع السعوي وطوائفه؛ ولذا، سعى لأن يحفظ كيان الدولة، ويعزز الأمن، ويُطلق برامج تنموية ضخمة، بالتوازي مع اجتثاث الخطابات المتطرفة من المجتمع.

هل يعني ذلك أن السعودية باتت خالية من الظلاميين؟ بالتأكيد لا، فهنالك متشددون سنة وشيعة، وهنالك متحزبون لـ"الإخوان المسلمين" و"حزب الله"، وهنالك من يؤمنون بـ"دولة الخلافة" ويقابلهم من يؤمن بـ"ولاية الفقيه"، فالأفكار لا تموت، وتيارات الإسلام السياسي لا تستسلم، وإنما تذهب إلى التخفي، ومحاولة استعادة القوة وترتيب الصفوف، استعداداً للانقضاض في أي تغير؛ وهم عبر الموالين لهم في بعض المؤسسات والأجهزة يسعون إلى عرقلة الإصلاحات، وممارسة التمييز المذهبي والفكري والمناطقي، أملاً في إبقاء مقاليد القوى بيدهم، وأيضاً لخلق حالة من التذمر بين أوساط المواطنين الذين يتم عرقلة معاملاتهم الحكومية، أو رفض توظيفهم لأسباب واهية؛ وإنما لكون هذه الجماعة المتخفية، تريد أن لا يكون في هذه الإدارة من لا يدين بالولاء لفكرها!

مواجهة هذا "التحزب المستتر"، عملية طويلة الأمد، تحتاج بصيرة وروية وشجاعة، ومعرفة بكيفية عمل التنظيمات السرية، ومن خلال عدة مستويات، ووضع تشريعات وأنظمة شفافة وواضحة، لا يمكن تجاوزها أو التلاعب بها.

وعليه، فإنه لا يكفي أن تتم عملية التغيير الديني والمجتمعي عبر إجراءات الوزارات والهيئات المعنية بكل ملفٍ، وإنما من المهم أن يتم ترسيخ هذا الإصلاح بـ"قوة القانون"، من خلال استكمال المنظومة التشريعية المدنية التي يحتكم لها جميع المواطنون والمقيمون.
في هذا الصدد، يبدو ملحاً وجود "قانون مكافحة الكراهية والتمييز"، يكون معنياً بقضايا الكراهية والتمييز القائم على الدين أو العرق أو الجنس، ويمنع أن يتحول الخطاب الديني إلى خطاب تحريضي على الآخر.

هل يعني ذلك أن يكون نقد المذاهب والأعراق ممنوعاً؟ بالتأكيد لا، فحرية التعبير حق مكفول للجميع، رسخه "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، والقوانين والمواثيق الدولية التي وقعت عليها المملكة العربية السعودية. إنما المحظور ليس النقد، أو إبداء وجهات النظر، بل الممنوع هو التحريض على الآخر، ونبذ معتقادته وازدراءها، أو تحقير عرقه ولونه وجنسه، بما يوقع عليه ضرراً مادياً أو لفظياً أو معنوياً، أو منعه من الحصول على حق من حقوقه.

إن القوانين هي التي تنظم حياة البشر في الدول الحديثة؛ وهي التي تحد من النزعات "العنصرية"، لأن "أصعب امتحان للإنسان المتحضر هو التعايش مع بني جنسه. حتى بعد قرون من نشر المفاهيم السامية لا يزال في داخله عنصرية ظالمة. لم يفلح العلم، والتطور، والتدين، والقوانين في التخلص من النوازع الشريرة عند البشر، التي قد تفوق همجية الحيوانات"، كما يقول الأستاذ عبد الرحمن الراشد، في مقال له بعنوان "معركة الإنسان ضد العنصرية"، مضيفاً: "لم تتفوق، أيضاً، المجتمعات المتطورة الغنية على المجتمعات البسيطة في التخلص من هذه الأمراض الاجتماعية المزمنة حتى يومنا هذا"، وهذا ما يعني أن "المعركة" ضد العنصرية طويلة وشاقة وتحتاج لترسيخ ثقافة "المساواة" و"احترام التنوع البشري" منذ الصغر، عبر مناهج التعليم، والتربية الأسرية في المنزل، والقوانين التي تضعها الدولة.
وللحديث تتمة..

* نقلا عن "النهار العربي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.