.
.
.
.

التصويت الالزامي: حلاً للمأزق الانتخابي في العراق

أسامة شهاب حمد الجعفري

نشر في: آخر تحديث:

لا يملك أي نظام سياسي أن يستغني عن حاجته الى الشرعية وان كان نظاماً غير شرعي من منظور السياسة المدنية الحديثة , و صناديق الاقتراع هي الجهة المتخصصة في إصدار شهادة ميلاد شرعية النظام السياسي الديمقراطي . و الارقام التي تعلن عن نسب الاقبال على هذه الصناديق هي معيار يعكس الى اي مدى وصلت اليه الشرعية , و اختبار للديمقراطية في مدى تحقق انتقال ذلك المجتمع نحوها.

مرت على العراق خمس دورات انتخابية منذ سقوط النظام السابق إذ سجلت انتخابات العام 2005 مشاركة بنسبة 79‌%، و62,4‌% عام 2010، و60‌% عام 2014و44.52‌% عام 2018, و سجلت انتخابات 2021 اعلى نسبة عزوف عن المشاركة إذ بلغت 42.15‌%. و الملاحظ على هذه الارقام انها تتهاوى بشكل سريع نحوالتناقص, و لكن هذا النزول في نسب المشاركة ليس له اي اثر قانوني على شرعية الحكام القادمين من صناديق الاقتراع . فنسب المشاركة لا قيمة قانونية لها مهما بلغ انخفاضها , و لكن سياسياً و اجتماعياً يشير هذا النزول في نسب المشاركة الى تخلي الشعب العراقي عن النظام السياسي لان الناس عندما تذهب الى صناديق الاقتراع فانهم يعلنون عن تمسكهم بالنظام السياسي الحاكم في يوم الاقتراع , و ان عزوف العراقيين عن المشاركة في الاقتراع فانهم يعلنون امتناعهم عنالانضمام الى العقد الاجتماعي بينهم و بين الحكام , و يقتنصها اقلية مؤدلجة من الشعب للوصول الى السلطة ليقرروا مصير الشعب اكمله, و عند ذاك تنقلب الديمقراطية و تصبح حكم الاقلية بدلاً من حكم الاغلبية و تختفي الارادة العامة و تحل محلها الارادة الخاصة , عند ذاك فانه يعني ان الديمقراطية مصابة بالاختلال و العاهة و المرض . يستدعي ضرورة علاجها , و عدم السكوت على هذا الاعتلال و الاختلال و الا احتكرت الشعبوية السلطة و تحكم القادة الشعبويين بمصير الامة. و اهم وسيلة لمعالجة ذلك هو تشريع قانون التصويت الالزامي ليكون بداية العلاج , فليس ضرورياً ان يكون العزوف عن المشاركة في التصويت هو معاقبة الطبقة السياسية الحاكمة بل قد يكون عدم اكتراث من قبل الناخبين بالديمقراطية (اهمال) , و التصويت الالزامي يقضي على هذه اللامبالاة و هذا الاهمال, و يضعف من فرصة هيمنة الناخبين المؤدلجين على السلطة و احتكارها , و يجبر الحكومة على الاهتمام بكل الشعب لا بأقلية منه عند صياغة سياساتها و ادارتها , و الغاء فرص التهديد الانتخابي و , إضعاف المال السياسي, و يضمن ان الفائز يمثل الارادة العامة و اغلبية السكان و ليس فقط المهتمين بالسياسة او التابع المؤدلج للاحزاب و التيارات السياسية , و يفسح المجال للمرشحين للتركيز على برامجهم الانتخابية بدلاً من هدر الجهود و الوقت في اقناع الجماهير للحضور يوم الاقتراع . و يبقى المؤشر الاهم هو ان زيادة نسبة العزوف عن المشاركة في التصويت تدل على انتقاص الشرعية باعتبار الفائز لا يمثل بشكل دقيق اغلبية الشعب و انما جمهوره المؤدلج الذي لا يقيم لانجازات حزبه وزناً عند التصويت.

لا طريق امام مكافحة العزوف الانتخابي في العراق الا بفرض التصويت الاجباري , فهو الوسيلة التي اعتمدتها استراليا منذ عام 1924لدمج المهاجرين في الحياة العامة و تحقيق التحول الديمقراطي لهم اذ بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الاخيرة 92‌% , و استعملتها ايضاً لتهذيب الحياة السياسية و الحزبية في استراليا فقد قضى التصويت الاجباري على الاحزاب الشعبوية فلم تحصل هذه الاحزاب على اصوات الاستراليين سوى 1‌% .و في قبرص و اليونان و بلجيكا و لوكسمبورغ من الدول الاوربية حيث التصويت ليس حقاً فحسب و انما واجباً قانونياً , و فنزويلا و سنغافورة و تايلند و الفلبين والارجنتين و غيرها كثير.

لكن ما مدى دستورية التصويت الالزامي في العراق ؟

وصف الدستور العراقي التصويت بانه "حق" في المادة (20) منه . و علينا ان نقف عند مفردة "الحق" و من ثم فان المعنى الظاهر لهذه المفردة يتعارض مع التصويت الالزامي , فالحق يعني ان يمتلك الفرد الحرية في ممارسته او تركه , بينما التصويت الالزامي يحوله الى واجب يتعرض من يمتنع عن ممارسته الى العقوبة . الا ان ذلك ليس صحيحاً و هذا التعارض ظاهري و يمكن حل هذا التحدي القانوني من خلال بيان معنى التصويت الالزامي اولاً, و تحديد معنى مفردة "الحق" من الناحية القانونية ثانياً.

اولاً: معنى التصويت الالزامي:

ان التعمق في النظر نرى ان التصويت الالزامي لا يتعارض مع معنى "الحق في التصويت" و يبقى التصويت كما وصفه الدستور العراقي "حقاً" اذا ما اقتصر الالزام في هذا التصويت على اجبار الفرد في الحضور والظهور عند صناديق الاقتراع و بعدها يكون حراً في ممارسة حقه في اختيار احد المرشحين من عدمه بوضع ورقة الاقتراع فارغة او مشوهة للتعبير عن احتجاجه على النظام السياسي ليكون دلالة عملية و مادية على التصويت العقابي لتقييم المشهد السياسي . فالاجبار مقتصراً على تسجيل الحضور يوم الاقتراع دون الاجبار في الانتخاب او التصويت لاحد , و تبقى حرية الفرد قائمة دون مساس في انتخاب احد المشرحين او عدم انتخاب احد بوضع الورقة فارغة من اي انتخاب . فمفهوم التصويت الالزامي هوالزامية تسجيل الحضور في كابينة صندوق الاقتراع بعد استلام ورقة الانتخاب فقط دون الزامية انتخاب احد.

ان عدم المشاركة في الاقتراع لا يعني بالضرورة "عزوفاً" مقصوداً فربما يعني ايضاً عدم اكتراث اغلبية الشعب بالشأن السياسي , فالشعب الاجتماعي اكثر عدداً (أغلبية) من الشعب السياسي.

و من زاوية اخرى , يبقى التصويت حقاً اذا ما كانت طريقة الالزام عن طريق الحوافز لا العقوبة , فيمكن تحفيز الفرد في ممارسة حقه بدل العقوبة من خلال تشريع قانون تحفيزي يقرر حزمة تشجيعية للتصويت يوم الاقتراع كالإعفاءات الضريبية او أاولوية في التوظيف او خصم من أجور النقل العام او تذاكر السفر او خصم من أجور المستشفيات العامة , او منح قروض مصرفية بفائدة منخفضة و غيرها من الحوافز, فمن خلال التحفيز يبقى التصويت حقاً و لا يتحول الى واجب يستحق من تركه العقوبة. و من ثم يتحقق التوفيق بين المعنى الظاهر لمصطلح "الحق" و الدستور بتحفيز الفرد نحو ممارسته . فالذي يميز الحق عن الواجب هي العقوبة في حال تركه.و بما ان العقوبة غير موجودة و حل محلها "التحفيز" يبقى التصويت الالزامي "حقاً" موافقاً للدستور العراقي.

اولاً: المعنى القانوني لمفردة"الحق" :

ان وصف الدستور العراقي للانتخاب بانه "حق" للإنسان العراقي جاء في سياق الخطاب موجه للدولة مفاده انها لا تملك صلاحيةالانتقاص من هذا الحق لانه حق طبيعي يسمو على القانون الوضعي , هذا من جهة , من جهة اخرى , هناك الكثير من المهام القانونية تعطي معنى الحق و الواجب معاً , مثل ولاية الاب على اولاده القاصرين فهي حقاً مقتصراً على الاب بقوة القانون ولا ينازعه فيه احد و على الجميع احترامه , و لكنه في نفس الوقت لا يستطيع الاب ان يملك الحرية في التنازل عنه او عدم ممارسته او تركه لمجرد كونه حقاً له لتعلق مصلحة الغير به (اولاده الصغار) فيكون مسؤولاً عن الاضرار بهم لعدم ممارسته ممارسة تحقق مصلحة اولاده القاصرين, و كذلك الحال في حق السلطة التشريعية في التشريع فانه يتضمن التزام البرلمان بتشريع القوانين لتعلق مصلحة الشعب و حقوقه بها فلا يملك البرلمان حرية التشريع و انما واجب التشريع . و بطبيعة الحال فان حق التصويت و الانتخاب حق يتعلق به مصالح الغير "الشعب" و يتوقف على ممارسته الاستقرار السياسي و الاجتماعي و صيانة منظومة الحقوق و الحريات في الدولة , و ان عدم ممارسته من قبل الفرد يضيع فرصة الحياة و ضمان حقوق الاجيال , فصحيحاً ان حق الانتخاب حق فردي و لكن ممارسته تكون وسط المجتمع و اثاره لا تقتصر على الفرد و انما على المجتمع ايضاً , فليس صاحب الحق هو دائماً من ينتفع بالحق فحق الانسان في الحياة حق تعود منفعته للبشرية جمعاء و ليس للفرد فقط . و كذلك حق الانتخاب هو حق يفيض بالخير على الغير (المجتمع), و الدستور عندما اقر للفرد بالحقوق السياسية و الاجتماعية فانه اخذ ميثاقاً منه الا يضر بالغير(المجتمع) , و من ثم فان حق الانتخاب مقيد بعدم الاضرار بالمجتمع و ليس حقاً انانياً يفرغ الديمقراطية من محتواها طالما تعني حكم الشعب فهي –اي الديمقراطية- نتاج ممارسة كل فرد لحقه في التصويت , و عدم الممارسة لا يحقق الديمقراطية لانها لا تفرز التمثيل الحقيقي لإرادة الشعب , اذ تتحول بالعزوف الانتخابي الى حكم الاقلية الشعبوية على الاغلبية التي هي وحدها تعني الارادة العامة . فالمعنى القانوني للحق هو ليس معنى الاستئثار الفردي للحق و انما له بعد اجتماعي لتعلق مصلحة الغير به , لان ممارسة الفرد لحقوقه لا تكون في الفراغ و انما في وسط بيئة اجتماعية فالحق في الانتخاب يشبه مالكاً لأراضي زراعية يعيش عليها مئات الفلاحين يرفض زراعتها و لا يسمح بغيره ان يزرعها بحجة ان له حق ملكية لا يستطيع ان يجبره احد على زراعتها او تمكين الغير من زراعتها فتتحول حق ملكية هذه الاراضي الى وبالاً على المجتمع بدلاً من ان تكون مصدراً للخير العام , لم يوجد حق التصويت لمصلحة الفرد و انما وجد لمصلحة المجتمع ايضاً لتكوين الارادة العامة و تحقيق التمثيل الحقيقي للشعب في ادارة الدولة . و بناءً على المفهوم الاجتماعي للحق يلتزم الفرد بموجب الدستور في ممارسة حقه في التصويت لانه عضو في الجماعة و ملتزم في تحقيق صالح الجماعة . فلا تعارض بين الزامية التصويت و الدستور من هذه الناحية عند تشريع قانون التصويت الالزامي لانه يتضمن معنى الواجب.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.