.
.
.
.

الحالة الإسلامية من منظورٍ مقارن

رضوان السيد

نشر في: آخر تحديث:

اشتهر كثيراً في الدوائر الأكاديمية الغربية قبل عقدين كتاب مايكل كوك، الأستاذ بجامعة برنستون، وعنوانه «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي» (2002). وقد قمتُ مع زميلين بترجمته إلى العربية وصدر عام 2008. وكما هو عنوانه فهو معنيٌّ بهذا المبدأ (الذي اعتبره الإمام الغزالي أصلاً رئيساً بين أصول الدين).
مايكل كوك كما ذكرنا يتابع هذا الأصل في الحِقَب الكلاسيكية الإسلامية من حيث الفعالية والتأثير. لكنْ رغم اختصاصه بهذا المجال، فهو لا يخلو في فصوله الأخيرة من مقارنات مع اليهودية والمسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية. إذ هو يعني عنده: الإحساس الفردي والجماعي بالمسؤولية.
وقد ذهب إلى أنّ هذا المعنى ليس موجوداً بقوةٍ في الديانتين الأُخريين في الأزمنة القديمة والوسيطة. ولذلك فقد ردَّ عليه عديدون من أساتذة الدين الكاثوليك والبروتستانت.
أما هذه المقالة فتنشغل بكتابٍ آخر حديث الصدور للأستاذ كوك هو «أديان قديمة وسياسة حديثة.. الحالة الإسلامية في منظورٍ مقارن». وما يعنيه هو تحليل ظواهر الثوران الإسلامي في شتى جهات العالم الإسلامي، إنما بالمقارنة مع ظواهر عودة الدين لدى البروتستانت والهندوس والبوذيين.
كوك يذهب- بخلاف كثيرين- إلى أنّ الديانات الأُخرى الكبرى لا تختلف عن الإسلام في القرن العشرين، من حيث صعود ظواهر تأكيد الذات بأشكالٍ مختلفة لا تخلو أيضاً من تشددٍ وعنف. وهو مثل سكوت هيبارد (صاحب كتاب «السياسة الدينية والدول العلمانية»، 2010) ينسب للدول (في مصر والهند والولايات المتحدة) أدواراً في اليقظة الدينية لدى فئاتٍ من الشبان والعامة. إذ استخدم السياسيون والحزبيون الدينَ لكسْب الشعبية في الانتخابات وغيرها. وهو يرى أنّ ذلك بدأ في الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، وفي الهند حتى أيام أنديرا غاندي.
لكنه لا يذهب إلى أنّ ذلك الاستغلال كافٍ لتعليل صعود ظواهر الخصوصية الدينية. فصدمة الحداثة هي العامل الرئيس الذي أخاف الكثيرين على دينهم. ولذلك لجأوا بأشكالٍ متعددة لتأكيد الذات، مثل إنشاء كنائس جديدة تقاوم الحداثة الصاعدة، أو توسل السياسيين للتأثير في سياسات الدولة. ومن الظواهر الجديدة الرغبة العارمة في أن يكون للدين تأثير في السياسات العامة.
فالجدال حول الإجهاض، مثلاً، ما أفاد منه السياسيون المحافظون فقط في كسب الناخبين، بل أفاد منه أيضاً المتدينون الذين كانوا يعارضونه ويسعون لكسب السياسيين لتحريمه بالقوانين، بدلاً من ترك الأمر لاختيار الأفراد وحرياتهم. وكذلك الأمر في الهند مع النزعة الظاهرة لإعطاء الهندوسية سِمة القومية الوطنية، فقد استغل الأمر حزب «بهاراتيا جاناتا» فحكم الهند، لكنّ القوى المتدينة كان صار لها صوت وسط المخاوف على الهوية الدينية للبلاد.
لماذا تصبح ظاهرة تأكيد الذات بطرائق جديدة خطِرة؟ لأنها تثير مخاوف وهواجس لا مبرر لها في الواقع. فتتصرف الأكثرية الدينية أو الإثنية كأنما هي أقليةٌ مهدَّدةٌ بالزوال. والأمر الثاني هو ذلك الاندفاع ضد الآخر الديني أو الإثني، كأنما هم يكتشفونه للمرة الأولى في حيّهم أو بلادهم. يتابع الأستاذ كوك كعادته في بحوثه الظواهرَ إلى أدقّ التفاصيل. ومع أنه يعتبرها ظرفية في كثيرٍ من الأحيان، فهو لا يتجاهل أنّ موجات العولمة المتوالية ستظل تثير الإحيائيات أو تبعث عليها، وفي الإسلام كما في غيره من الأديان.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.