.
.
.
.

روسيا والعالم الإسلامي.. حوار وتعاون

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

مثلت لقاءات مجموعة الرؤية الإستراتيجية.. روسيا والعالم الإسلامي التي شهدتها مدينة جدة الأيام القليلة الماضية نقلة نوعية جديدة في طبيعة العلاقة بين الحاضرة الروسية وبين العواصم العربي والإسلامية، وخطوة تصب في صالح التعاون المشترك الإيجابي والخلاق نحو عالم أكثر أريحية وتعايش، عالم يسعى في طريق تعزيز الوئام بين مختلف الأديان والحضارات، وترسيخ القيم الإنسانية بين جميع البشر، بحسب كلمات خادم الحرمين، في كلمته التي ألقاها نيابة عنه الأمير خالد الفيصل أمير مكة.

أظهر اللقاء الأخير هذا أن المملكة تمضي بخطى ثابتة في أطر من التنوير المعولم، وتحمل رسالة للعالم تسعى في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتبذل جهودا غالية وعالية في إطار تمتين سبل الحوار بين أتباع الأديان والحضارات المختلفة، عطفا على زيادة التعاون في مجال مكافحة الإرهاب.

جاء اللقاء في أجواء غير مسبوقة على الصعيد الدولي، حيث التلاسن بين روسيا من جهة، وحلف الناتو من جهة أخرى، يكاد يصل حد سخونة الرؤوس والضغط على الزناد، لتحول الحرب الباردة الثانية إلى حرب حقيقية، لطالما تجنبها الجميع.

عطفا على ذلك يجيء اللقاء بعد عامين من انتشار جائحة كوفيد- 19 المستجد، ومن غير رؤية واضحة لنهاية شره، بل ها هو يعود ليضرب من جديد، الأمر الذي يعزز المخاوف البينية بين الأمم والشعوب.

تبدو فرصة الحوار والتعاون كبيرة بين الجانبين، الروسي والإسلامي، لاسيما أن المملكة بنوع خاص تشترك مع روسيا في عدة مبادئ رئيسية منها احترام الشرعية الدولية، وتأسيس العلاقات على أساس الاحترام المتبادل، وسيادة واستقلال ووحدة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، كما أن المملكة وروسيا تتمسكان بنوع خاص بالالتزام بنظام عالمي عادل يسوده القانون.

تبدو العلاقات السعودية - الروسية، وهي مقبلة على الذكرى المئة لتأسيسها نموذجا للتلاقي بين الأمم والشعوب، ولتبادل المصالح برؤى إنسانية واجتماعية مفيدة، لا من منطلقات براغماتية أو خيوط وخطوط فوقية، وهذا ما يكسبها حضورا قويا يزداد بريقه وألقه يوما تلو الآخر.

ولعل انضمام روسيا إلى مجموعة الرؤية الاستراتيجية ولو بصفة مراقب، يعكس رغبة حقيقية في فتح أبواب الوصل والتواصل مع شعوب منطقة الخليج العربي، وبقية دول الشرق الأوسط، ويمكن اعتبار العلاقة نوعا من أنواع ضبط المسافات بين الرياض، وموسكو، كما هي بين الأخيرة وغالبية إن لم يكن كل العوالم والعواصم العربية والإسلامية.

أحسن كثيرا جدا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حين توقف في كلمته عن المعاني الماورائية لانتشار الأوبئة والتغير المناخي، لا سيما أنها تمس أمن كل دول العالم، لا روسيا ولا الدول الإسلامية فقط، الأمر الذي يوضح حقيقة واحدة لا شك فيها، وهي أن البشر أخوة، وأنهم عندما يجد الجد، سيجدون أنفسهم من مشارق الأرض إلى مغاربها، ومن الشمال إلى اليمين أمام تحد واحد، وعليهم الاختيار بين عبور اليم بالتجديف معا في اتجاه بر النجاة، أو التشارع والتنازع ليسقطوا واحدا تلو الآخر في قاع التاريخ، ذاك الذي لن يرحم الأجيال المعاصرة التي فضلت الافتراق على الوفاق.

تشكلت مجموعة الرؤية الاستراتيجية في العام 2016، وفي اللقاءات السابقة تم بحث الكثير من القضايا المهمة في جو من التفاهم والثقة والصراحة، وخاصة تلك القضايا الحساسة والملحة على صعيد العلاقات الدولية، وكذا الوضع في الشرق الأوسط، وبالطبع الكثير من القضايا التي تتمحور حول مستقبل العلاقات بين روسيا الاتحادية ودول المشرق العربي.

لم يشارك السياسيون فقط في فعاليات لقاء جده، إذ زخر اللقاء بمشاركة كبيرة من مسؤولين وعلماء ومفكرين، هولاء الذين لديهم رؤية كوسمولوجية تتجاوز أطر السياسة وصراعاتها الضيقة، لا سيما أنهم يمتلكون رؤى تنقلنا من عالم الأيديولوجيا المتشددة إلى آفاق الإبستمولوجية الرحبة، والداعية إلى تعظيم الحوار وتعبيد الطرق للجوار، والسعي نحو العيش الواحد وليس المشترك فقط.

لم يكن قيصر روسيا فلاديمير بوتين ليغيب عن أعمال اللقاء، ففي الكلمة التي ألقيت نيابة عنه شدد سيد الكرملين على تطابق مواقف بلاده والعالم الإسلامي بشأن ضرورة بناء عالم ديمقراطي قائم على سيادة القانون والتعايش السلمي.

كلمات بوتين يمكن للمرء تفكيكها وتركيبها ليخلص منها إلى مآزق حياتية دولية لا تزال بعض كبريات الأقطاب الدولية تتمترس من حولها، بل تسبب حالة من الانقسامات بشأنها عالميا، ومنها أيضا يفهم القارئ أن السيرة والمسيرة الدولية لن تستقيم في ظل انقسام العالم مرة أخرى وظهور أحلاف جديدة، ناهيك عن تصاعد نبرة العسكرة كأداة وحيدة لتفاهمات الأمم وحل مشاكل الشعوب.

أظهرت فاعليات اللقاء أن الدين الإسلامي يتسم بالتسامح والوسطية، وأن لدى المملكة دورا مشرفا في تبني مبادئ الاعتدال والتعايش، حيث سعت جاهدة لدعم الجهود الإقليمية والدولية في هذا المجال وقدمت العديد من المبادرات في هذا الشأن.

أحلى الكلام الذي يمكن للمرء أن يرصده ضمن سياقات المناقشات التي جرت في جدة على ساحل البحر الأحمر، هو ما فاه به الملك سلمان والذي أبدى التزام السعودية بدعم أي جهود مستقبلية تهدف لخدمة هذه المبادئ، إيمانا منها أن الاختلاف لا يعني الخلاف بالضرورة والحتمية التايخية، وأن التسامح يدعو للترفع والتسامي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.