"بيزنس" الجيش
ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يروّج فيها بعض رجال الأعمال في مصر أنهم يواجهون منافسة غير متوازنة مع مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش. وبين غمز ولمز، وتلميحات وتصريحات، يبررون متاعبهم الاقتصادية بكون مشاريع الدولة لا تسدد قيمة الضرائب والرسوم والجمارك، ولا تتحمل التأمينات احتمالات الخسائر التي تتحملها مشاريعهم، وينتهون الى أن ضرورة خروج مؤسسات الدولة، والجيش خصوصاً، من المعادلة الاقتصادية، كفيل بتطوير شركات القطاع الخاص، بما سيعود بالنفع على اقتصاد البلد والموظفين والعمال وكل الناس!
وبالطبع يستخدم تنظيم "الإخوان المسلمين" الإرهابي آلته الإعلامية ومنصاته للصيد في مياه تصريحات كتلك للتحامل على الجيش، الذي هو العدو الأول للتنظيم، والتشكيك في مشاريعه وتصدير صورة سلبية عن أحوال الاستثمار في مصر، ليبدأ الجدل في وسائل الإعلام حول جدوى مشاريع الجيش، وأسباب اقتحامه مجال التصنيع والتشييد والتجارة.
قد يكون الكلام منطقياً إذا صدر عن رجال أعمال توقفت مشاريعهم أو تكبدت خسائر ولم تصمد في مواجهة تطورات السوق، لكن المذهل صدورها عن رجال مال وأعمال وأصحاب شركات تحقق عوائد اقتصادية ضخمة، بسبب مشاركتها وتنفيذها مشاريع كبرى يشرف الجيش على تنفيذها، ولولا الخطط التي تبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي لتغيير البنية الأساسية وتطويرها، وشق آلاف الطرق وبناء عشرات المدن الجديدة وحفر مئات الأنفاق، لظلّت شركاتهم تعمل في سوق محدود وتحقق أرباحاً ضئيلة، أو قل ربما خسائر.
بعضهم يشتاق الى زمن تحكم فيه رجال الأعمال في حركة السوق، والى أيام كان البرلمان يسن قوانين لتقنين وضع الأيدي على الأراضي وحماية المنحرفين من العقاب، والى فترات شهدت تبريرات التهرب من سداد الرسوم أو مستحقات الدولة، وبعضهم يحنّ الى أيام كانت الأراضي المخصصة للزراعة توزع على أصحاب شركات المقاولات لتحويلها الى أراض للبناء، حين كان القطاع الخاص يرتع وحده وينافس نفسه ويوزع رموزه على أنفسهم خريطة السوق وحجم التنافس! اللافت هنا رد الفعل الشعبي الرافض لتلك التصريحات، والمتصدي لكل تشكيك في جدوى المشاريع الكبرى في ربوع البلاد، والتي يشرف الجيش على تشييدها، ومن يتابعون جنازات الشهداء يدركون أسلوب تكوين هذا الجيش، الذي لا ينتمي ضباطه وأفراده إلى دين واحد، أو محافظة واحدة، أو طبقة اجتماعية بعينها، فأهل الشهيد قد يكونون من الطبقة الراقية أو فلاحين أو عمالاً، أو موظفين ينتمون إلى الطبقة الوسطى، أو أناساً بسطاء من ريف مصر، أو أحيائها الشعبية، وهذا أحد أسباب تماسك الجيش المصري رغم المحاولات المستمرة والمستميتة لهدمه من قوى إقليمية وجهات إخوانية.
تلك الحقائق لا بد من أخذها في الاعتبار عند متابعة ردود فعل بعض رجال الأعمال تجاه النشاط الاقتصادي للجيش، الذين حرصوا على وضع البهارات لتضاف إلى المكوّنات الرئيسية التي تسبق كل مناسبة لتسخين الأجواء.
يسعى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جدياً لتطوير جيش بلاده وتقويته وتحديثه، إلى درجة يبدو فيها كأنه في سباق أو منافسة تحفزه على ضرورة القفز بترتيب الجيش بين الجيوش الكبرى في العالم. تخطى السيسي مرحلة الحماسة الوطنية إلى الإقناع الكامل، بأن بقاء مصر وحفاظها على حدودها وأرضها وتماسك شعبها، وسط الأمواج المتلاطمة للحوادث من حوله، وأضرار شظايا الربيع العربي، التي أطاحت دولاً وقسمت أخرى وأسقطت جيوشاً ودولاً، مرهون بالوصول بالجيش إلى مرحلة تمنع دولاً وجهات وتنظيمات من مجرد التفكير في مواجهته، كان واضحاً أن رد فعل الشارع في مصر على خطوات تطوير الجيش وتحديثه وتقويته، كلها إيجابية.
تبدو الفجوة واسعة بين بعض أهل "البيزنس" والإخوان والنشطاء من مدمني الثورات من جهة، والمواطن المصري من جهة أخرى، ورغم أن الطبخة التي يروّجون لها اعتمدت في معظم مكوّناتها على أمور حياتية للمواطن البسيط جداً، لكن بهاراتها لم تكن مناسبة فأفسدتها، لأن المصري بكل بساطة لا يحب الجيش فقط أو يدين له بالولاء فحسب، بل يدرك بفطرته أن جيشاً ضعيفاً مستأنساً لا يحمي دولة، ولذلك فهو مستعد لأن يجوع ليوفر لجيشه أسباب قوته، لأن بسقوط الجيش لن يكون هناك تعليم أو صحة أو اقتصاد، أو أمور حياتية في حدودها الدنيا... أو حتى أرض.
*نقلاً عن "النهار"