لماذا لم يحدث ذلك من قبل؟

عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

كان الاحتفال هذه المرة فى البر الشرقى من نهر النيل فى الأقصر حيث تشرق الشمس، وتقوم الحياة. جماعة العباقرة التى أبدعت تحفتها الجديدة «طريق أبوالهول» أو «أنشودة آمون» هذه المرة كانت تعلم جيدًا ذلك الفارق والمقارنة التى سوف تجرى بتلك التحفة فى إبريل الماضى حينما وقعت فى قلبها «أنشودة إيزيس». وقتها كان احتفاء بملوك فى حالتهم «المومياء» فى العالم الآخر، وكان طبيعيًّا بعد انتقالهم وعبور الجسر الموقوت أن نحتفى بهم وهم فى طريقهم من متحف إلى آخر. كان الانتقال رائعًا بقدر ما كان للروعة من تقدير، منضبطًا ومبهرًا ولكن بلا زخرفة ولا بهرجة ولا ادعاء. لاحظ المصريون والعالم بعدهم الرحلة القصيرة بانبهار نبيل؛ كان الموتى منّا يسجلون مرة أخرى حدثًا تاريخيًّا أخيرًا يليق بقادة مصر العظام فى طريقهم إلى مرقد جديد. هذه المرة كان فى الأمر احتفال بالحياة من أوله إلى آخره، فى الفصل الأول كان التقديم للموضوع كأنه نوع من النداء الجديد، أو اليقظة، أو الاكتشاف، فيه تفاصيل كلها حاضرة عندما كان على وزير الآثار، لأول مرة فى التاريخ، أن يشرح لرئيس الأمة المصرية ما سوف يأتى مقدمًا لها بما كان من اكتشافات فى أزمنة قريبة. الحديث كله على مسمع من المصريين الذين سمعوا وشاهدوا وشاركوا بالمشاعر المتوترة بقرب تجليات وأسرار كونية جاء وقت البوح بها. وبدون انفعالات كبيرة، جاء الفصل الثانى متدفقًا كما النيل فى «الكتاراكت» شلالًا عذبًا من الرقص والغناء ظهرت فيه حياة الأقصر قويّة وعفيّة وشابّة بكل ما فى الشباب من اندفاع وتوهج. أصبحنا جميعًا على أبواب فصل ثالث جرَت فيه مسيرة كمال اكتشاف طريق مهدته حتشبسوت قبل ثلاثة آلاف عام ونيف. كما كان الموت نبيلًا من قبل، فإن الحياة باتت عفيّة بالفتيات والفتيان تمهيدًا للفصل الرابع حين حان احتفال «الأوبت»، حيث القمر والنيل والبحيرة المقدسة ترف وتشف على مصر جديدة.

لماذا تأخرنا كثيرًا؟. سؤال لا يريد أحد أن يطرحه لأنه بذلك قد يفسد زهو اللحظة ورونقها، وربما معها منطق سديد يركز على المستقبل أكثر مما يحضّر الماضى بجانه وعفاريته وأشباحه. وربما لأن ذلك «سِلْونا» أن نترحم على الذاهبين، وندعو للقادمين، ونترك الحساب ليوم الحساب؛ ولعل ما نحن فيه هو بناء يُقام على ما مضى بكل ما كان فيه من صواب وخطأ. ولكن الماضى والحاضر ليس بينهما القطيعة المتصورة على ضفتى النهر الخالد وبين شروق الشمس وغروبها، فالحقيقة أن هناك صيرورة مستمرة تضمنت فيها قوة دفع لم تتيسّر من قبل. الأفكار المواتية كانت كثيرة، وكان التفكير حاضرًا فى تجديد القاهرة القادمة من هضبة الأهرام إلى المناطق التراثية، وبالفعل جرى تجديد شارع المعز، وفى وقت ما بنينا السد العالى، وجربنا استصلاح الأراضى وبناء مدن جديدة. ولكننا فقدنا السبق مع الزيادة السكانية، وشحب الجمال دائمًا ساعة مواجهة القبح. وبشكل ما انتشر بيننا أن الفقر فيه خير بينما الغِنَى فيه شر، والضعف أقرب الطرق لدخول الجنة بينما القوة تقع من نصيب «الفتوات» فى الحارات أو فى العالم. كانت الخريطة الذهنية بيروقراطية بامتياز، حيث إن أفضل الأحوال دائمًا أن تبقى على ما هى عليه؛ وإذا كان التعليم سيئًا فيمكن حل المسألة بالدروس الخصوصية والسناتر؛ أما أزمة المساكن فحلها سريع جدًّا بالتوسع فى العشوائيات.

الأمر فى الحاضر مختلف هذه المرة، ومَن عاش لعقود فسوف يشهد أن مفهوم السرعة بات مختلفًا فى مصر، لم يعد الزمن يُقاس بأوقات الصلاة، وليس بالثوانى وإنما بالفيمتو ثانية؛ أو هكذا قال مَن عملوا فى بناء المتحف المصرى الكبير. وما انطبق على الزمن جاء تمامًا على المسافة، سارت الجغرافيا إلى التاريخ جنبًا إلى جنب. تحقق ما لم يتحقق منذ عام ٢٠٠٠ عندما بدأت معدلات الفقر فى التراجع، ووقف عمال ومهندسون ومصممون وفنانون على ناصية بناء حضارة. قبل زمان، وقف عبدالحليم حافظ، نجم نجوم «الزمن الجميل» و«الموعود»، يحلم بـ«تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا». لم يَعِش الرجل لكى يشهد أنه بعد احتراق الأوبرا أُعيدت مرة أخرى إلى جزيرة الزمالك، وقامت واحدة أخرى فى مدينة فنون كاملة. الترع جرى تبطينها وذود القبح عنها، أما التماثيل الرخام فهى قريبة متنوعة ومنتشرة، ولن ننتظر طويلًا حتى نشهد مولد دولة لم تعد من أشباه الدول، ومدن لم تعد من أشباه المدن، وقرى تعيش حياة كريمة وليست كأشباه القرى. ومَن يعش فسوف يرى كثيرًا.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط