في مواجهة السيسي: أعداء لكن حلفاء!

محمد صلاح
محمد صلاح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ليس سراً أن بعض مؤيدي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك انقلبوا على الرئيس عبد الفتاح السيسي وصاروا من غلاة المعارضين له، ولا يتوقفون عن تصيُّد الأخطاء وإشاعة مناخ الإحباط بين الناس، وأصبحوا يشككون في كل إنجاز ولا يلتفتون الى أي نجاح، وصارت مواقفهم تجاه سياسات السيسي وانجازاته لا تفرق كثيراً عن مواقف عناصر "الإخوان" الذين يسيطر عليهم اعتقاد بأن مؤامرة كونية غربية وصهيونية وعسكرية حيكت ضد تنظيمهم الإرهابي وأطاحت بهم، ولا يرد هؤلاء المشككون على السؤال: لماذا يحظى السيسي بتأييد جموع المصريين؟ ولماذا لم يثُر الناس عليه رغم الحملات التي لا تتوقف ضد كل تصرف يُقدم عليه أو قرار يتخذه أو رحلة يقوم بها أو مشروع يعلن عنه أو يفتتحه؟

صدمة هؤلاء تجاه ردود فعل الشعب المصري الحادة على حملاتهم، التي لا تهدأ، تنعكس في توجيههم اللوم أحياناً والسباب كثيراً إلى الشعب المصري نفسه، لأنه لا يثور على السيسي كما ثار على مبارك ومرسي!

اللافت هنا وما يثير الدهشة في الواقع المصري، أن كل الأطراف الفاعلة على سطح الأحداث منذ هبَّت على المنطقة شظايا الربيع العربي لم تغير "الكتالوغ" وحافظت على الأساليب والآليات نفسها التي كانت اعتمدت عليها بالفعل، معتقدة أنها ستحقق لها مجدداً ما تريده. تريد تحقيق أهداف جديدة بالاعتماد على "الكتالوغ" القديم، رغم أن الظروف تبدلت والأوضاع تغيّرت والأجواء التي ساعدت الربيع العربي في أن يخترق مجتمعات ويسقط دولاً ويصعد بتنظيمات وجماعات وأشخاص إلى واجهة الأحداث لم تعد تصلح كي تُشرذم هذا المجتمع مجدداً وتُسقط هذه الدولة مرة أخرى أو تصنع نجاحاً يداري عيوب وأخطاء وتشوهات رموز الربيع. صحيح، بالنسبة إلى مصر، أن الناس نزلوا إلى الشوارع والميادين في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 للاحتجاج على نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك لأسباب مختلفة، وكل فئة كانت لها مطالبها أو منطقها، وصحيح أن "الإخوان" والناشطين والنخبة والمتلونين أدوا أدواراً في صناعة الحشد عبر التسخين وإثارة مشاعر الغضب، وصحيح أن جهات خارجية عدة، بينها دول ومنظمات وجماعات ووسائل إعلام جيَّشت نفسها وحشدت طاقتها لإسقاط مبارك، وصحيح أن الإعلام المحلي أدى دوراً في تبصير الناس بأخطاء وأخطار "الإخوان" أثناء حكم محمد مرسي، وأن المؤسسات التي عصي على الجماعة تطويعها ساهمت في إفشال تجربة مرسي وحكم الجماعة، لكن هذا لا ينفي أن الناس كانت لديها دوافع ذاتية للنزول إلى الشوارع والميادين لإنهاء حكم مبارك وإسقاط "الإخوان" وأن كل المعطيات الأخرى كانت مجرد عوامل مساعدة لطمأنتهم.

أثناء فوضى الربيع العربي لم يسأل المحتجون أنفسهم، كيف سيكون المستقبل؟ وما هي البدائل المطروحة بعد مبارك؟ وما مصير الدولة ذاتها؟ وما هي الأهداف الخفية التي تأمل فيها قوى إقليمية؟ وما إذا كان السمو والمشاعر النبيلة ومصالح الشعب هي التي جعلت كل تلك الجهات تتوحد من أجل تغيير النظام، أم أن هناك أسباباً أخرى غير معلنة بعضها شخصي تجاه مبارك وأخرى تتعلق بالنظام الدولي الجديد الذي كانت تريده قوى كبرى وتخطط له؟ بينما خرج الشعب وأصر على التصدي لـ"الإخوان" وإبطال حكمهم لمصر من بناية في حي المقطم حيث مقر المرشد، ووقف "أخونة" الدولة وطوي تراثها الإنساني والحضاري، ما جعل الجيش يستجيب للثورة، من دون أن يخشى الناس رد فعل عناصر التنظيم الإرهابي والقوى الداخلية والخارجية المساندة له والمتحالفة معه.

غاب عن "الإخوان" ومعهم مؤيدو مبارك ممن اختاروا الوقوف ضد السيسي، وكذلك بالطبع ناشطو منظمات حقوقية غربية وثورجية مواقع التواصل الاجتماعي، أن من أسباب تنحي مبارك عجزه عن التعامل مع مظاهر الاحتجاج في الميادين ومطالب المتظاهرين وعناده وتأخره في إصدار قرارات لو اتخذها في وقتها المناسب لتفادى مسألة التنحي، وأن "الإخوان" وقعوا في الخطأ نفسه بل تعالوا على الناس وناصحيهم والمتعاطفين معهم من العقلاء الذين كانوا يرون ويتوقعون سقوط مرسي والإطاحة بحكم الجماعة.

هكذا تشابهت حملات "الإخوان" ومواقف مؤيدي مبارك وصار أولئك وهؤلاء إخوة ضد السيسي، بعدما كانوا أعداء لبعضهم، وهم جميعاً لا يزالون يروجون بأن مصر على أعتاب ثورة أو أن انفجاراً سيحدث؛ لكن الذي يعيش داخل مصر ويرصد تطورات الأحداث ويؤثر ويتأثر بالأوضاع، يدرك أن مصر تمكنت من ترميم سنوات الركود في عصر مبارك والهدم في عهد "الإخوان" وانطلقت نحو تطورات على مختلف الصعد، بدأت ثمارها تظهر على أرض الواقع.

* نقلا عن " النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط