مفهوم الدين لدى مسيحيي العصور الوسطى

رضوان السيد
رضوان السيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

توفي قبل شهر الأب بولس الخوري عن عمرٍ متقدم. وقد قضى الخوري زهاء ستين عاماً في التأليف حول العلاقات الإسلامية المسيحية في العصور الوسطى، ونُشرت بحوثه بالعربية والفرنسية. وعندما كنت مديراً لمعهد الإنماء العربي في ثمانينيات القرن الماضي، نشرتُ له كتاباً في التفكير العربي بالدين في القرنين التاسع عشر والعشرين. وبمناسبة وفاته، فقد اخترتُ للعرض أحد أهم كتبه وعنوانه «مفهوم الدين.. المفاهيم عند المسيحيين للناحيتين الفلسفية واللاهوتية» (من القرن الثامن إلى القرن الثاني عشر الميلادي).
لقد استعمل المسيحيون والمسلمون في مجادلاتهم الدينية من القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر، مفاهيم فلسفية ولاهوتية في موضوع الدين الحق، وفي عقيدتَي التثليث والاتحاد والتوحيد والتنزيه وسائر العقائد والعبادات والأوامر والنواهي التي قالت بها الشرائع، وهذا إلى التنظيم الاجتماعي أو جماعة المؤمنين أو البيعة والكنيسة، ووظيفة الدين والمواقف من الدين، وأخيراً حول الأديان بشكلٍ عام.
استطلع بولس الخوري آراء حوالي 30 مؤلفاً مسيحياً على مدى أربعة قرون. وجاءت تلك الآراء إما في مؤلفاتٍ مستقلةٍ في شرح العقائد المسيحية، أو في ردودٍ على المسلمين والمجادلة معهم.
ويلاحظ بولس الخوري الذي فهرسَ ثلاثين كتاباً في موضوعات المفاهيم الدينية، أنه لدى المسيحيين في العصور الوسطى نادراً ما يجري تعريف الدين، بل يذهب الكُتاب فوراً إلى ذكر المضامين. ومن ذلك على سبيل المثال ما يذكره ابن العسّال من أن الدين «يتضمن الأعمال والعبادات المطابقة للإيمان وهي الصوم والصلاة والصدقة والمحبة والصبر الاختياري والقربان..». ويعتبر ابن المقفع، وهو كاتب قبطي، أنّ من واجبات الدين أو مفاهيمه المتبادرة إلى الذهن: «افتقاد المحبوسين، وزيارة المرضى، وضيافة الغرباء، وإطعام الجياع، وإسقاء العطاش.. وهذه فروض واجبة، لازمة، أمر بها الإنجيل». لقد بقي من التراث الديني المسيحي العربي من القرون الأربعة الأولى بعد الإسلام زُهاء مائتي كتاب، بعضها في مجادلة المسلمين أو الرد عليهم، وأكثر من النصف هي كتبٌ مستقلةٌ في عرض العقيدة المسيحية. وكما كان المجادلون المسلمون ينتمون إلى مذاهب وفِرق مختلفة، فإنّ المسيحيين كانوا يعاقبة ونساطرة وملكيين أو أرثوذكساً وأقباطاً. وفي الكتب المستقلة يبرز تقاربٌ كبير في المفاهيم بين المسيحيين والمسلمين. أما في الردود والمحاججات فإنّ الافتراق يبدو كبيراً.
ومن خلال الاقتباسات الكثيفة تبدو اللهجة في معظم الأحيان موضوعية ومؤدَّبة أو متحفّظة. ويحاول المسلمون أن يكونوا على النهج ذاته، لكنّ بعضهم لا ينجح في ذلك في كتب الردود بالذات. نشر الأب بولس الخوري كتابَه في مفهوم الدين لدى مسيحيي العصور الوسطى عام 2004 ضمن السلسلة التي أسسها شقيقه عادل الأستاذ في اللاهوت الكاثوليكي بألمانيا، وعنوان السلسلة «المسيحية والإسلام في الحوار والتعاون».
بحثُ بولس الخوري مفيدٌ جداً في التعرف على مفاهيم الدين لدى المسيحيين العرب القدامى أو المسيحيين الذين كتبوا بالعربية. لذلك، وبمناسبة وفاته أردتُ تعريف القراء بهذا النوع من التفكير والبحث، وبخاصةٍ أن الراحل بولس الخوري وشقيقه عادل الخوري فاتيكانيان، كتبا كثيراً في العلاقات المسيحية الإسلامية في ظلّ الإسلام بالمشرق، كما كتبا بحوثاً ترحيبية بوثيقة الأخوّة الإنسانية الصادرة بأبوظبي في 4 فبراير عام 2019.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.