ماكنزي.. بين صحوة «داعش» وعودة «القاعدة»
ذات مرة قال رئيس وزراء بريطانيا العتيد، السير ونستون تشرشل: إن الولايات المتحدة الأميركية تفعل دوماً الشيئ الصحيح، لكن بعد أن تكون قد جربت مائة طريقة خطأ.شيء ما صحيح من المقولة، وعلى غير المصدق أن ينظر إلى حساب الحصاد الأميركي في العقدين الأخيرين، لا سيما الحروب الأميركية الخارجية، الظاهرة منها كما الحال في أفغانستان والعراق، والخفية كما في صولات الحرب على الإرهاب.
جاء الإنسحاب الأميركي من افغانستان مرتبكاً، ما ترك المجال لأسئلة جوهرية عميقة عما نجحت واشنطن في تحقيقه، وما أخفقت.
كان أحد أهم أهداف الحملة على أفغانستان، القضاء على الإرهاب الذي نما وأزدهر في جبال تورابورا وقندهار، بقيادة تنظيم «القاعدة»، عطفاً على السرديات الأميركية اليوتوبية الخاصة بنشر الدمقرطة في الدولة التي أعتبرت دوما مقبرة للإمبراطوريات.
عمدت واشنطن إلى هش الذباب بالمطرقة، وأعلنت الحرب على الغضب، وكلاهما أمران لا يستقيمان في الحرب على الإرهاب.
قبل بضعة أيام كان قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال فرانك ماكنزي يصرح بان تنظيم «القاعدة» المتطرف نما بشكل طفيف داخل افغانستان منذ مغادرة القوات الأميركية أواخر أغسطس الماضي، وأن قادة «طالبان» الجدد في البلاد منقسمون حول ما إذا كانوا سيفون بتعهدهم بقطع العلاقات مع الجماعة أم لا.
ماكنزي يقر ويعترف بأن رحيل ما أسماه الأصول العسكرية والاستخبارية الأميركية من أفغانستان، أي شبكات جمع المعلومات، وسواء كانت بشرية أو سيبرانية، قد زاد من صعوبة تعقب «القاعدة» والجماعات المتطرفة الأخرى داخل أفغانستان.
يدهش المرء من إستنتاج ماكنزي، ذلك لأنه أمر بدهي وواضح للعيان منذ زمن بعيد، كما أن أبسط تقدير موقف أو إستشراف حالة كان يقطع بحتمية عودة «القاعدة» مرة أخرى، وبخاصة في ظل الإضطرابات الجيوسياسية في المنطقة بشكل عام، وفي مقدمها التوترات بين الولايات المتحدة الأميركية وحلف «الناتو» مع روسيا بسب أوكرانيا، والصراعات المحتملة مع الصين من جراء بحر الصين الجنوبي.
من أفغانستان وعودة إلى العراق بات التخبط الأميركي واضحاً، ولم يعد أحد قادر على فهم حقيقة الوضع ما بين تصريحات رسمية عن نهاية العمليات القتالية، وأخرى عن بقاء نحو 2500 عنصر أميركي على الأراضي العراقية.
يتفهم المرء أن البنتاجون لا يريد أن يترك جنوده هناك حتى لا يصبحوا عصافير سهلة القنص من جانب الميليشيات الموالية لإيران.
لكن غير المفهوم هو تدابير الانسحاب الأميركي من العراق في ظل عودة واضحة لفلول «داعش»، ومحاولة إعادة الكرّة وانتاج الزمن الإرهابي الرديء الذي عاث فيه التنظيم الإرهابي فساداً طوال سنوات وامتلك أرضاً اوسع من بعض الدول الأوروبية.
ما بين عودة «القاعدة» وصحوة «داعش» يتوجب على الأميركيين التفكير بروية وتؤدة عما كان يتوجب عليها أن تفعل في طريق تغيير العالم، عبر القوى الناعمة، وليس فقط من خلال القوى الخشنة التي أثبتت عدم جدواها.
* نقلا عن " الاتحاد"