سقوط الليرة وصمود الجنيه!

محمد صلاح
محمد صلاح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لم ينسَ الناس في مصر أن عناصر تنظيم "الإخوان المسلمين" مارسوا ما يعتقدون أنه جهاد، وجيّشوا أنفسهم، وابتدعوا خدعاً وألاعيب، وارتكبوا جرائم، وصوبوا منصاتهم الإعلامية فترة طويلة للانتصار في معركة إسقاط الجنيه المصري وخفض قيمته في مواجهة العملات الأخرى.

وبعد ثورة الشعب المصري على حكم "الإخوان" حوّل بعض رموز التنظيم من محترفي الإتجار بالعملات محلاتهم وشركات الصرافة التابعة لهم إلى أوكار أو مخازن أو مغارات، خزّنوا فيها العملات الأجنبية عموماً والدولار الأميركي خصوصاً، بعد سحبها من السوق المصرية، بينما برع آخرون منهم في تهريبه إلى الخارج، أو إعادة بيعه في الداخل، بعد رفع سعره وتعطيش السوق لجعله عملة نادرة، فيما وزَّع أعضاء الجماعة المتسرطنون في دول العالم، خصوصاً في الدول ذات الوجود الكبير للمصريين الذين يعملون خارج وطنهم، أنفسهم أمام محلات الصرافة والبنوك خارج مصر لاصطياد كل مصري يريد تحويل مبلغ ما إلى أهله، واقتناص كل مواطن يرغب في سداد قسط لشقة أو سيارة أو قطعة أرض، وإغرائه لشراء الدولار منه بسعر يفوق بكثير سعره في مصر، وحين قررت الحكومة المصرية تعويم الجنيه وطرحه حراً في المصارف وشركات الصرافة أصيب "الإخوان" بصدمة، لكنهم سريعاً غيروا خططهم، وانتقلوا إلى مياه عكرة أخرى ليصطادوا فيها لعل النظام يسقط ويعود المرشد ليتحكم!!

لكن الجنيه المصري صمد، ولم يعد "الإخوان" الى القصر الجمهوري ولن يعودوا بالتأكيد، وهم الآن اتجهوا إلى التعاطي مع أزمة أخرى ذات علاقة بالعملة أيضاً، لكن بسلوك مغاير ، وإن اعتمدوا على الكتالوغ نفسه الذي يقوم على الأكاذيب والفبركات والادعاءات، فالليرة التركية تنهار، و"الإخوان" في حال استنفار، وكل أعضاء التنظيم، سواء هؤلاء الذين تحتضنهم تركيا ذاتها وتحميهم من المطاردة القانونية أو الملاحقة القضائية أم حتى المقيمين في دول أخرى، يحاولون الآن إنقاذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومساعدته في الصعود بالليرة ومنع سقوطها أكثر من المستوى الذي هبطت إليه، وحماية الاقتصاد التركي من المؤامرة الكونية الدولية الخيالية عليه!!

كان الدولار معضلة كبرى في مصر، والإتجار بالعملة الأميركية وشراؤها وتخزينها ثم بيعها أهم استثمار على مدى سنوات مضت، وحتى البسطاء جداً الذين لم يروا دولاراً طوال حياتهم كانوا يتحدثون عن "الأخضر"، وهو الاسم الرمزي الذي أطلق على الدولار ثم تحول لفظاً دارجاً بين رجال البيزنس والمال والأعمال. واتخذت السلطات المصرية في عهد السيسي قرارات صارمة أوقفت تراجعات الجنيه أمام الدولار، وأنهت عملية "لمّ" الدولار من السوق و"تسقيعه"، وهو تعبير مصري آخر ظهر عندما كان رجال الأعمال يحصلون على أراضٍ من الدولة بثمن بخس، ويبقونها لفترة في حوزتهم ثم يبدأون عرضها للبيع بعد رفع أسعارها.

المهم أن الكائن "الإخواني" المصري لا يخجل من تصرفات كتلك، وحينما تسأله عن التناقض بين محاولاته ضرب اقتصاد بلده، والرقص فوق جثث ضحايا إرهاب الجماعة والسعي بكل الطرق إلى إفقار الناس أكثر، والضغط على أحوالهم المعيشية أكثر وأكثر، وفي المقابل حشده كل جهوده وإمكاناته وأسرته ومن حوله لإنقاذ عملة دولة أجنبية لمجرد أن رئيسها "إخوانجي"، فإنه يلجأ فوراً إلى استخدام الدين في مفرداته، معتقداً أن الناس ما زالت تثق بـ"الإخوان"، أو تطمئن إليهم، أو تصدق كلامهم، وهو لا يدري أن مجرد مشاركته في هذا الحشد وذلك المشهد، بعدما فرغ من محاولات ضرب عملة بلده، يباعد أكثر بينه وبين الناس الذين كانوا يوماً يتعاطفون مع الجماعة. بغض النظر عن الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى انهيار الليرة التركية، وكلها معروفة ومتداولة.

وفي المقارنة بين سعر "الأخضر" وأحوال الاقتصاد ومستوى الأسعار والتضخم وتآكل العملة المحلية في عهدي السيسي ومبارك تبدو المخالفة واضحة، فالأول لم يتسلم الحكم من الثاني وإنما جاء رئيساً بعد ثورتين وأحداث صاخبة وفوضى وارتباك سياسي ومحاولات لهدم الدولة وكوارث ضربت الاقتصاد كالإرهاب وسقوط الطائرة الروسية، وحكم لجماعة سعت إلى "أخونة" الدولة على حساب أمنها واستقرارها واقتصادها. الأخضر موجود الآن بكثرة في السوق المصرية، ولا يتم "تسقيعه"، عاد بعدما نجت الدولة من الربيع العربي... وأثاره.

نقلا عن النهار

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط