ظهير الجهل!
تعب غيرنا بحثاً في الإجابة عن سؤال القرن، لماذا تخلّفنا نحن العرب وتقدم غيرنا؟ وفي تقديري أن الإجابة أصبحت بعد كل تلك التجارب والتاريخ قريبة إلى الفهم، بخاصة التاريخ المعاصر. إن خلط الدين مع السياسة، خلطاً عشوائياً وضع جيلاً بكامله في متاهة ولا يزال يفعل. قد يكون من المعقول التسامح مع جيل ما يسمى بـ"النهضة" عندما خلط كثيرون منهم بين الإثنين، وقد أصاب بعضهم قليلاً واخطأوا كثيراً، وفي الذهن من بين أسماء كثيرة أمثال محمد عبده (رجل الدين المصري المعروف) وجمال الدين الأفغاني الذي أخذ منه البعض شيئاً مما قال، ونسي البعض الآخر. الأفغاني ظهر في عصر يسميه التاريخ المعرفي الغربي بعصر السوسيولوجيا أي "علم الاجتماع" وأطلق عليه بعض المفكرين الغربيين "الدين الجديد"، فكان أن كتب الأفغاني رسالة مشهورة عنوانها: "في الرد على الدهريين!" يلغي فيها أهمية علم الاجتماع في فهم تطور المجتمعات ركوناً الى مقولات تراثية خارجة ومنافية للعقل، تزلفاً ربما للعوام.
قلت إن ذلك الوقت وما تلاه كان يمكن أن يُفهم من يطالب بالإصلاح الجزئي أنه يقف أمام التفكير العقلاني البحت مجاراة لأغلبية مُجهلة، كما فعلت مدرسة "التوفيقيين العرب" في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حتى لا يصدم الجمهور "الغارق" وقتذاك في غياهب الجهل، والأخذ بيده نحو التنوير خطوة خطوة، فإن ذلك المبرر لم يعد موجوداً بعد هذا الكم (ولا أقول الكيف) من التعليم في بلاد العرب والاحتكاك بالآخر وتقدم التقنية الهائل. لذلك فإنه من العجب ومن غير المبرر استمرار من يُعرّفون أنفسهم برجال الدين بالخوض في السياسة والاجتماع والفلك بل وحتى الطب.
لم أكتب ما تقدم، عبثاً، ولكن الأمثلة كثيرة تحاصرنا، فقد عاد من جديد، ويكاد يكرر كل عام، الحديث الممجوج حول، هل يجوز معايدة المسيحيين أم أنه محرم على المسلمين؟ وأثير نقاش محتدم كالعادة حول الموضوع وتبرّع من يدّعي "المشيخة" بإطلاق الحكم القطعي، أن من يفعل ذلك آثم! وأيضاً، من ينصب شجرة عيد الميلاد! ثم ينتقل بعض من يدّعي أنه من رجال الدين إلى شيء آخر وهو "لبس ملابس بها صليب"، وقال لا فض فوه، إن ذلك لا يجوز قطعاً، إلا إن كان الصليب مُهاناً! أي كمثال أن يلبس في الرِجل مع الحذاء، وقُصُر عن القول أو في الملابس الداخلية! وجرت المعركة حتى تدخل شيخ الأزهر، والذي لديه مهمات أكبر وأسمى من الخوض في التوافه، إلى إعطاء تصريح أجاز فيه تهنئة المسيحي بعيده!. وبسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فقد انتشرت بين كثيرين صورة ازدحام شديد وكثيف لأناس أمام سور شبكي، وكتب عليها: "لا يجوز تهنئة الكفار في أعيادهم ... ولكن يجوز اللجوء اليهم!". هي صورة مضحكة مبكية وتُعبر عن ذلك التناقض الفظ الذي تعيشه مجتمعاتنا.
أما إذا لبس رجل الدين العمامة وتدخل في السياسة، فإن ذلك يصبح أنكأ وأكثر خذلاناً. خذ مثلاً، بعد وفاة سفير إيران لدى الحوثي وقائد ميليشيات صنعاء حسن إيرلو ... يقول إبنه بالصوت والصورة: "خدمة والدي في صنعاء تمهيد لظهور المهدي!". يذكرنا بظهور "المهدي" جهيمان العتيبي عام 1979 (غرة محرم 1400 هجرية). من هذا الكثير الذي يحيط بنا في حلبة التجهيل والخوض في التوافه، يكمن الأساس أي خلط الديني بالسياسي، والذي أوقع أوروبا في عصور سابقة في قرون الظلام ولم تخرج منه الا بعد جهد فكري وتوعوي عسير، بل وحروب دموية طويلة. هل قُّدر لنا أن نخوض التجربة نفسها تلك؟ أم أن العصر لا يسمح بهكذا "رفاهية" في استهلاك الزمن وتغييب العقل.
يتزعم بعض الجماعات السياسية العربية اليوم أناس معممون كما في لبنان والعراق، أو أناس ملتحون كما في الإسلام الحركي السنّي، وكلاهما يسعيان الى مكاسب دنيوية ويدخلان البسطاء في أتون الفاقة والفقر والقهر معاً متحدثان باسم الرب!. وفي المجتمعات التي يقام فيها شيء من الانتخابات يتسابق المرشحون لنيل مباركة من يعتقدون أنهم "رجال دين"!، بل ويتوسل بعض السياسيين في طريقهم الى الكذب والفجور السياسي والتكسب الى طلب تأييد أولئك الرجال، والكل يعرف أنهم يتكاذبون على بعضهم. يقول شيخ الأزهر إن من يفتي بتلك الفتوى أي "تحريم مباركة الأعياد" لا يعرف من دينه شيئاً! وبالتالي فإن فتاواهم الأخرى بعيدة من روح الدين. هم يعملون في الواقع كظهير للجهل، والذي وصل اليهم من خلال برامج تعليم فقيرة في محتواها، معتمدة على النقل من فتاوى قيلت في عصور مظلمة ولمجتمعات معظمها جاهل.
ما العمل أمام ظهير الجهل الذي يتفشى أمامنا ويوهن مجتمعاتنا ويهين عقلنا ونحن نخطو العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين؟ لا بد من الاعتراف أنه في وقت ما وربما لا يزال، هناك بعض السُلطات العربية، إما خوفاً من (الوحش الذي ربته) أو قصوراً حيال التحكم في برامج التعليم والإعلام، تقف اليوم عاجزة حائرة عن مواجهة هذا الجهل والذي شجعته في وقت سابق، وتجد أمامها معارك تتفجر كالألغام الموقتة لا تعرف أين الأولوية في مواجهتها والتعامل معها، أهو التغول من قوى إقليمية تريد الانقضاض عليها وهو ما يجب التعامل معه، أم هو الولوج في العصر الحديث، أم دحر قوى داخلية تنخر في لحمها الاجتماعي وتفرز الإرهاب، ويتوجب التعامل معها بحزم! التردد في مواجهة هذا الملف سوف يقودنا الى عصر ظلامي وخراب للأوطان، والأمر أن التنمية المرادة لن تتحقق والمجتمعات يترك عنان قيادتها لمروجي التجهيل!
*نقلا عن النهار