الهيلوغرام الفقهي

عادل الكلباني
عادل الكلباني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

نحن أمام صورة مجتمعية أبطالها أئمة وحفظة وأعلام لا علاقة لفقههم ولا لحياتهم بالصورة «الهيلوغرامية» التي رسمها بعض فقهاء العصر عنهم! فالحقيقة هي هذه، ولا يعني ذلك إنكار الخلاف في المعازف، ولكن الحقيقة والواقع أن الخلاف موجود بعكس ما صُور وطُرح، وأنها لم تكن بتلك المرتبة التي يهولها المحرمون في عصرنا..

"قال أحمد بن أبي خيثمة: كان أبي، ومصعب الزبيري، ويحيى بن معين يجلسون بالعشيات على باب مصعب، فمر رجل ليلةً على حمارٍ فارهٍ، وبزةٍ حسنة، فسلم، وخص بمسألته يحيى بن معين، فقال له يحيى: يا أبا الحسن، إلى أين؟ قال: إلى هذا الكريم الذي يملأ كمي دنانير ودراهم، إسحاق بن إبراهيم الموصلي. فلما ولى، قال يحيى: ثقة ثقة ثقة. فسألت أبي: من هذا؟ قال: هذا المدائني".

هذه ليست قطعة من سيرة الحافظ "إسحاق الموصلي" الذي سطرت بعضاً من سيرته في الأسبوع الماضي ولكنها جزء من سيرة العلامة الصادق الحافظ الأخباري، أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الله المدائني، وهي ترتبط بسيرة "الموصلي" ارتباطاً مجتمعياً، فابن أبي خيثمة يصور مشهداً –لو كان في عصرنا لكان في أحد مواقع التواصل الاجتماعي- اجتمع فيه أئمة من أهل العلم، فكان ذاك الحوار.

فالأمر قطعاً ليس كما صُور لنا في هذا العصر الذي جعل من مسألة "الغناء والمعازف" مسألة قطعية التحريم، وأنه لا يخالف في ذلك إلا فاسق لا علاقة له بالدين، وأن من الأفضل له "حلق لحيته"! فيا ليت شعري كيف كانت لحية إسحاق الموصلي؟ وكيف كانت لحية المدائني؟ وكيف كانت لحية يحيى ابن معين والذهبي؟ هل هي نفس لحانا أو أكثف؟ ولمَ لم نجد أحداً من أهل العلم حذر من الذهبي أو من المدائني أو من يحيى ابن معين الذي يوثق أهل الفن والمعازف؟!

إذن فالأمر لا يقتصر على فلان من الناس قال رأياً اجتهاداً في المعازف واحتمل رأيه الخطأ، بل نحن أمام صورة مجتمعية أبطالها أئمة وحفظة وأعلام لا علاقة لفقههم ولا لحياتهم بالصورة "الهيلوغرامية" التي رسمها بعض فقهاء العصر عنهم! فالحقيقة هي هذه، ولا يعني ذلك إنكار الخلاف في المعازف، ولكن الحقيقة والواقع أن الخلاف موجود بعكس ما صُور وطُرح، وأنها لم تكن بتلك المرتبة التي يهولها المحرمون في عصرنا، وقد كان الفقه المانع والمحرّم خبأ الطروس على رفوف المكتبات، وكان من أظهر هذا الرأي وتكلم كان هو المتهم في رأيه، المعرّض لنهر وزجر الأئمة والعلماء. وفي سيرة إبراهيم بن سعد، قال الذهبي: "كان ممن يترخص في الغناء على عادة أهل المدينة، وكأنه ليم في ذلك فانزعج على المحدثين وحلف أنه لا يحدث حتى يغني قبله فيما قيل". القصة ذكرها الصفدي في "الوافي بالوفيات"، وابن منظور في "مختصر تاريخ دمشق"، والخطيب في "تاريخ بغداد"، والذهبي في "تاريخ الإسلام"، والسخاوي في "التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة"، كلهم في ترجمة إبراهيم بن سعد، قال الصفدي: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف المدني، كان من العلماء الثقات، ولي قضاء المدينة وكان أبوه قاضيها، وكان إبراهيم أسود اللون، قدم بغداد فأكرَمه الرشيد وأظهر برَّه وسُئِلَ عن الغناء فأفتى بتحليله، وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه فسمعه يتغنَّى، فقال: لقد كنت حريصاً على أنْ أسمع منك فأمَّا الآن فلا أسمع منك، فقال: إذاً لا أفقد إلا شخصك وعليَّ إنْ حدثت ببغداد حديثاً حتى أغنِّي قبله. إلخ القصة.

هذه الصور المجتمعية لبعض مجتمعات السلف يردها أصحاب الرأي المحرم بقولهم هذه القصة لا تثبت!!! وأنت تقرأ له كتب التراجم وأقوال الأكابر في المسألة فيقلب الكلام إلى تحقيق تخريجي لرواية ما، وكلامنا ليس عن صحة رواية ولا رأي فلان، إنما كلامنا على النمط المجتمعي الذي تخطه أنامل الأئمة كالذهبي، وسير العلماء التي تدون، فماذا أبقينا لقبول التراجم وتوثيق الرجال؟ إذا كان كل من خالفت رأينا ترجمته قلنا لا تثبت، أو زلة عالم، لترسيخ صورة المجتمع التي رسمناها في أذهاننا ولم يكن لها وجود في الواقع. هذا، والله من وراء القصد.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط