صبر الرئيس.. واضطراب المعارضة

عبدالله بشارة
عبدالله بشارة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لم أكن أتوقع السهولة التي انفتحت أمام سمو الرئيس الشيخ صباح الخالد بعد التشكيل الوزاري الجديد، ليبدأ في اتجاه تحقيق ما يتوقعه المواطنون منه ومن وزارته التي استوعبت جهداً ضخماً لكي ترى النور، ويعود ذلك التحول إلى قدرة الرئيس على هضم المزعجات، مظهراً صبراً غير عادي، وإلى شهامة الوزراء في تقديرهم للوضع ومعرفة النواب المستوزرين للحقائق التي تتحكم بمسيرة مجلس الأمة.

وفوق ذلك ساهمت المعارضة بأسلوبها الغليظ وغياب التنسيق بين أفرادها وتفاوت حجم الحماس للمواجهة، مع القناعة بغياب المؤازرة النيابية الجماعية، كل هذه العوامل أزالت التعقيدات التي كنا نتخوف منها.

لم يكن هناك مبرر يدعو إلى المواجهة والسعي المتحمس لإجهاض الجلسة، ولم يكن هناك مبرر للتحرش بمنصة الرئاسة، فمن ذلك المنظر ظهر غياب الترابط وضياع التنسيق وانعدام الوحدة، وفوق ذلك أود الإشارة إلى خطورة الغلاظة في المواقف وفي التعبير، مستذكراً تاريخ الكويت بلطافة تطورها منذ نشأتها الذي كان قائماً على التوافق والقبول المجتمعي، فعندما تتباعد المواقف تتسلل الأصابع الإقليمية دافعة بالمزيد من التوتر سعياً لإضعاف الصلابة الوطنية الضامنة لبقاء السيادة.

بودي أن أشير إلى أربع أولويات ينشغل النواب في متابعتها، وتصبح جزءاً من استراتيجية المشاركة في الشأن العام، رغم كل ما حدث في الفترة الماضية:

أولاً: موقع الكويت الجغرافي وأبعاده الأمنية وتأثيره على سلامة الكويت وسيادتها واستقرارها الذي يدوم بعمق الوحدة الوطنية، مع تدشين الاعتماد على استراتيجية واضحة لبناء قوة كويتية مسلحة تكنولوجياً وتأهيلاً، دورها تأمين تطويق الحريق من أجل كسب الوقت لاستحضار مشاركة التحالف الخليجي والشركاء الاستراتيجيين، فالضعف يغري الطامعين، ومن المؤكد أن إبراز الاهتمام النيابي الجماعي بهذا الملف يمنحه المتابعة الشعبية.

ثانياً: ملف الفساد يشغل كل العالم، حكومات وشعوباً وبرلمانات، ولم تبرز اهتمامات المجلس في هذا الموضوع إلى المستوى الذي يزيد من متابعة الحكومة وهيئاتها المختلفة في الملاحقة والتعرية، ولا شك بأن خطوات المجلس ويقظة نوابه لملاحقة الفساد تشكلان تعبئة شاملة نحو إزالته وتنظيف الكويت منه.

ثالثاً: لا يحتمل المجتمع الكويتي شروخ القبلية أو الفئوية، ولا يطمئن لوحدة الجبهة الداخلية في بيئة يتخاصم أهلها ويتجادلون ملوحين بسيوف القبلية، متأثرين بأشعارها وقصائد الإشادة بأمرائها، لاسيما عندما يصحو هذا المجتمع أمام حشود قبلية تتصارع في انتخابات علمية وطلابية تستقي حماسها من زهو القبيلة.

كنت أقرأ تقريراً عن أحوال كوريا الشمالية التي حولتها أسرة الحكم إلى قبيلة، إن مرض زعيمها تجاوب الشعب كله مشاركاً إياه مرضه، جاء ذلك من تثقيف جهنمي قضى على إرادة المواطن وأزال شخصيته وحرمه من التفكير المستقل.

رابعاً: الكويت دولة مدنية، دينها الإسلام، ملتزمة بشريعته، تستهدي بمبادئه، وتتبنى قيمه وتتسمك بروحانياته، رسم الدستور مسارها السياسي وحدد نظام الحكم فيها، ومجتمعها مستنير، وعلى مؤسسات الحكم فيها الالتزام بهذا النهج وتأمين الحفاظ عليه بعيداً عن الاجتهادات الفردية، حفاظاً على نقاوة الرسالة المحمدية ونبل قيمها، وإبعادها عن السياسة.

وماذا عن دور سمو الرئيس؟ نتوقع من الرئيس ما يلي:

أولاً: أن يتابع برنامجاً حكومياً يركز على الانفتاح، ويدفع تجاه التعليم والمعرفة، يسير بالكويت المنفتحة والمتعطشة، داعياً جميع المسارات ذات الصلة للمشاركة.

ثانياً: أن يجند كل القنوات المتوافرة، صحافة ومراكز البحوث وجمعيات النفع العام ومنظمات المجتمع المدني، وأن يتواجد في ورشات العمل بمتابعة لا تضعف، وأن يستنجد بأهل الخبرة من الخارج، فلا تردد بحثاً عن أهل الاختصاصات، مستنداً على الشراكة مع مجلس الأمة.

ثالثاً: أن يدفع للحاق بالشركاء في مجلس التعاون الذين سبقوا الكويت، وأزالوا كل المعوقات ترحيباً بالعلم والمعرفة، واقتحام منابع المستجدات في الابتكارات وتسهيل حضور الاستثمار الأجنبي من دون عوائق بيروقراطية.

رابعاً: لا بد سمو الرئيس من الاستعانة بالهيئات العالمية المختصة، من البنك الدولي إلى صندوق النقد إلى شركات التكنولوجيا العملاقة، وأهم قرار هو فتح أبواب الكويت علماً وفكراً وصناعة.

كنت في دبي منذ شهر، وشدني المعرض وفيه آخر محطات التكنولوجيا في عالم الابتكار، ونردد الأمل بخطوات كويتية للالتحاق بالركب الخليجي في عالم التطورات والاكتشافات.

خامساً وأخيراً: سمو الرئيس من ضرورات القيادة متابعة التذبذب في مقاييس الرأي العام الكويتي ورصد تموجاته والتعرف على أولوياته، ولم تكن عمليات الرصد السابقة لتحولات الرأي العام مؤثرة لانقطاع التفاعل وجفاف اللقاء، وتحتاج الحكومة دعماً قوياً لتحركاتها وغطاء من الرأي العام لبرامجها، ومن هذه الممارسة يسهل التعرف على المزاج الشعبي.

وكلنا ندعو للرئيس بالتوفيق.

هيثم الغيص.. في الأوبك

لم يأت اختيار السيد هيثم الغيص أميناً عاماً لمنظمة البترول العالمية (الأوبك)، من باب المجاملات لدولة الكويت من فزعة تضامنية قبلية أو فئوية، وإنما من حق الكفاءة ومن شهادة القدرة، فقد كان ابن النفط، عاش معه وتعرف على تقلباته ووقف على خياراته وتعلم من منافعه ومتاعبه، وأقدّر شخصياً حساسية المسؤولية.

في عام 1974، انشغل العالم بأزمة النفط من جراء الحظر المفروض على الولايات المتحدة، من المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت، وشاهدت أجواءها في الأمم المتحدة التي جاءت بالرئيس الجزائري أبومدين، ليكسب من تلك الأجواء نصراً للدول النامية، ليس سهلاً على دول الخليج قرار حرمان أميركا من النفط، كانت حالة فريدة من الصعب تكرارها، فالنفط سلعة استراتيجية عالمية، الجميع له الحق فيها من يملكها ومن يستخدمها، من دونها لا يستقر العالم.

ويدرك الأمين العام الجديد دوره الآن ليس النفط، وإنما ترشيد استغلاله وطمأنة شعوب العالم بتواجده وبأسعاره العادلة، ويدرك السعي العالمي لإيجاد بدائل عبر النفط الصخري، وكلها تحديات تشغله وتمتحن قدرته.

نبارك لدولة الكويت ونهنئ أنفسنا، ونقول إن هيثم الغيص نالها بذراع العلم، وليس بفنون التجميلات.

تهانينا لزميلنا الدبلوماسي المثير فيصل الغيص وللأخ هيثم، فمن جد وجد.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

الأكثر قراءة