أطياف سوفييتية

د. أحمد يوسف أحمد
د. أحمد يوسف أحمد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

عندما دخلت القوات الروسية في 6 يناير الجاري عاصمة كازاخستان تلبيةً لطلب من رئيسها وتنفيذاً لقرار منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تداعت إلى الذكرة أحداث تعود إلى قرابة سبعة عقود إبان الحقبة السوفييتية. صحيح أن الملابسات والتفاصيل مختلفة اختلافاً بيّناً، لكن المشترك بين هذه الأحداث أن قوة عظمى أو كبرى تقع في القلب منها جميعاً وتحاول الحفاظ على إمبراطوريتها أو أمنها حسب الظروف. ففي عام 1956 تدخلت القوات السوفييتية لقمع الاحتجاجات الشعبية المناوئة للاتحاد السوفييتي في المجر ونجحت في مهمتها، وفي عام 1968 اجتاحت القوات السوفييتية تشيكوسلوفاكيا لقمع الحركة الإصلاحية التي عُرفت بـ«ربيع براج» ونجحت كذلك في مهمتها. لكن الأمور تغيرت في عام 1979 عندما تدخلت القوات السوفييتية لحماية النظام الأفغاني الماركسي، فعلى العكس من الحالتين السابقتين اللتين شهدتا مقاومةً محدودةً، اشتعلت أفغانستان بحرب عصابات تمثل طرفها المضاد للاتحاد السوفييتي في تنظيمات مسلحة ترفع شعارات إسلامية وتحظى بدعم دولي واسع من دول غربية وإسلامية على أساس أن هدف المعركة هو نصرة الإسلام، وليس بمقدور أحد أن يجزم بما إذا كان العجز السوفييتي عن حسم الصراع لصالحه في هذه المرة راجعاً إلى مرحلة التدهور التي كان الكيان السوفييتي قد بدأ يمر بها أم أن ضراوة مقاومة التدخل السوفييتي والدعم الغربي والإسلامي الواسع كان هو السبب في الإسراع بالعملية التاريخية لتفكك الاتحاد السوفييتي. لكن المؤكد هو أن عملية التدخل الثالثة لم تحقق هدف حماية النظام الموالي للاتحاد السوفييتي هذه المرة، بل إن قيادة جديدة إصلاحية وصلت إلى سدة السلطة بعد ست سنوات من التدخل متمثلة في ميخائيل جورباتشوف الذي دشن عملية البروسترويكا (إعادة البناء) التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفييتي رسمياً في 1991، وقبل ذلك بسنتين انسحبت القوات السوفييتية دون أن تحقق مهمتها.
ثمة فروق واضحة في التفاصيل بين تلك الخبرة الماضية وبين عملية التدخل الأخيرة. صحيح أن هناك تشابهات أولها العامل الروسي المشترك بينها جميعاً، وثانيها أن التدخل يتم في إطار منظمة إقليمية (حلف وارسو في بعض حالات الحقبة السوفييتية ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم ستاً من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة)، وثالثها أن التدخل بدأ بأحداث داخلية. صحيح أنها في الحالة الأخيرة لم تكن موجهة ضد روسيا كما في الحالات السابقة لكنها موجهة ضد نظام صديق لها طلب معونتَها على أساس أن هناك عناصر إرهابية محترفة تدخلت في الاحتجاجات التي يُفترض أن بواعثها الأصلية كانت اقتصادية، ومن الواضح أن القيادة الروسية اقتنعت بأن ثمة بعداً «أمنياً» في الأحداث بدليل استجابتها لطلب التدخل استجابةً فورية بينما رفض الرئيس ميدفيديف في عام 2010 التدخل من خلال معاهدة الأمن الجماعي في الاضطرابات العرقية في قيرغيزستان على أساس أن التدخل لا يحدث إلا لمواجهة عدوان خارجي، وهو ما يظهر غياب الاستقطاب الذي كان سائداً في الحقبة السوفييتية بدليل أنه عندما وقع ما يمكن وصفه بـ«العدوان الخارجي» على دولة عضو في المعاهدة هي أرمينيا أثناء نزاعها المسلح مع أذربيجان في عام 2020، اختارت روسيا القيام بدور الوساطة وليس التدخل لصالح أرمينيا. وهو ما يؤكد أنه على الرغم من القواسم المشتركة بين دروس الخبرة الماضية فثمة فروق مهمة في التفاصيل ينبغي أخذها في الحسبان عند تقييم أي موقف جديد.
وتبقى ملاحظة أخير مهمة بخصوص أسلوب اتخاذ القرار الروسي الذي يتسم بالسرعة والحسم، فبينما نسمع منذ شهور تحذيرات غربية بشأن غزو روسي محتمل لأوكرانيا وعقوبات موجعة سوف تُفْرَض على موسكو دون أن يحدث أدنى تلميح لتوظيف القوة العسكرية، تتخذ القيادة الروسية قرارها بهذا الشأن بمنتهى السرعة والحسم.

نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط