كورونا بِعُمر طفل..

نادين خماش
نادين خماش
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

أربعُمئة ألفِ رضيعٍ حول العالم يُبصرون النور في كل يوم.. هذا ما تؤكده إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونسيف". عام 2021 وحده قُدّر عددهم بنحو 130 مليون مولود حول العالم. دورةُ الحياة ماضية بلا شكّ رغم توقف عجلة الاقتصاد وتأثّر العدد الأكبر من القطاعات جرّاء جائحة كورونا.

تقريباً، مقابل كل وفاة عدد ولادات أكبر. لكن ماذا لو قارنا بين ولادة طفل بعمر كورونا اليوم؟ طفلٌ يحتفل بعامه الثالث فيما لا يعرف من الحياة إلا تلك التي فرضتها عليه وعلينا الجائحة وإجراءاتها.

وفي مقاربة بين أطفال وُلدوا عام 2016 وتطورهم عام 2019، وآخرون ممن ولدوا في 2019، تُظهر دراساتٌ من إحدى عشرة دولة في فترة فبراير 2020 ويوليو 2020 أنّ المخاطر المحدقة بالصحة النفسية للطفل (في زمن كورونا) أفضت لمزيد من القلق والصدمات وتزايدٍ في العنف بالتعامل مع أبناء جيله.

وُلد فيروس كورونا قبل ثلاثة أعوام لكنه وعلى خلاف المولود البشري حينها، نمى سريعاً وتكيّف رغم الإجراءات الاحترازية لردعه ليبقى خارقاً لأجساد البشر وفاتكاً لمن يقترب منه. أما الرضيعُ الذي جاء إلى العالم وعمره من نفس عمر الفيروس فقد بقي متأخراً في النمو والتطور النفسي أولا، ولعلّ تبعات ذلك ستكون مدى الحياة إن لم نستدركها سريعاً. فالسنوات الأولى من عمر الطفل تبقى الأهم في صقل شخصيته ولغته وما يصاحبهما من تنشئة اجتماعية تراجعت وجعلت غريمه المولود الآخر "كورونا" هو المنتصر.

يُواجه الأطباء والمختصون حالات من أطفال زمن كورونا متأخرين في النطق ومنعزلين اجتماعياً ويهابون الآخر. صحتهم الجسدية هشّة وعضلات أجسادهم الرقيقة ضعيفة. لا يتحركون ويلعبون بالشكل الصحي لاضطرارهم للبقاء معظم الوقت ضمن جدران منزل على حساب السير الركض وتسلق الأشجار أو ما يوازيها في حدائق اللعب. فهم لم يعرفوا كثيراً عن العالم الخارجي، لم يتمكنوا من تجميع الأحرف الأبجدية الأولى التي خزّنوها في ذاكرتهم ليصنعوا كلمات يخاطبون بها الآخر، لأنهم ببساطة لم يختلطوا كثيراً بالآخر.

فالخوف الذي لا يفهمونه بل يستشعرونه من ذويهم وصلهم بدون أن يطلبوا ذلك، يعتبرون الكمامة تحصيل حاصل من ملابس الإنسان خارج منزله، وكأن البشر جسدٌ وروحٌ وكمامة. شاهدنا فيديوهات كثيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مضحكة مبكية، تُظهر كيف يعتقد أطفال الربيع الثالث من عمرهم أن كل قارورة بمثابة مطهّر للأيدي، فأناملهم الصغيرة تضغط لا إرادياً على فوّهة المجسّم الصغير!

يصارع الأهل اليوم لتعويض ما لم يكتسبه أولادهم أو تأخروا في تحقيقه ضمن الإطار الطبيعي لنمو أيّ طفل. هذا في وقت سبقهم "الطفل الكبير كورونا" في سرعة انتشاره وكثرة تحوراته ولغته التي يفهمها كل العالم.

إنهاء هذه الإجراءات لم يعد يحتمل التأجيل. ما يمكن استدراكه مع طفل عمره 3 سنوات (رغم مشقة ذلك) سيصبح شبه مستحيل في كل عام يزيد. هل نريد أطفالا انطوائيين أو منفتحين؟ هل نريد أطفالا ذوي صحة جسدية وعقلية طبيعية يلعبون ويقعون ويحتكّون بالآخر أو أصدقاء افتراضيين لزملائهم عبر شاشات الكمبيوتر والتلفزيون؟ ففيروس كورونا الذي ثبت تأثر الكبار فيه، وقلة مخاطره على الصغار يحتاج مراجعة لكيفية التعامل معه. فـ14 يوماً من الإصابة التي نحاول تفاديها لـ3 سنوات مضت قد تؤثر على العالم عبر جيل كامل يعيش نمواً غير طبيعي.

هل ننتظر لتنقلب المعادلة بين طفلٍ ينمو طبيعياً وفيروسٍ يتلاشى ويتوقف بيولوجياً، أو نتحرك حفاظاً على الصحة العقلية للبشرية مفتاحِ الصحة الجسدية؟

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط