الفيصل.. وثيقة المدينة المنورة
ونحن أمام تلك الكذبة الكبرى التي سميت الديموقراطية (حكم الشعب)، والتي وئدت منذ نشأتها الأولى في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، حيث كانت النخبة من الأغنياء وأصحاب النفوذ من الرجال هم فقط من يستطيع أن يمثل الشعب وما عدا ذلك فهو هراء، بؤساً لها من ديموقراطية! استمرت هكذا إلى أن تسلمت الكنيسة زمام الأمور بعد قرون تحت عنوان الدين مؤسسة بذلك إلى كذبة جديدة، سيطرت من خلالها على المال والقرار، وسيرت الحياة تبعاً لما كانت تمليه أجندتها الضيقة، مقوضة للرأي الآخر ومدعية أنه هُراء أيضاً، ليأتي بعدها ما روِّج له كأول دستور «مكتوب» في العالم يحدد حقوق وواجبات المواطن (الدستور الأميركي بعد الاستقلال من الحكم البريطاني)، وقد أثبت خطأ هذا الادعاء وبالحجة المرحوم الأستاذ د.عثمان عبدالملك. لنستعرض معاً بعضاً من الأدلة الدالة على هشاشة الممارسة الديموقراطية ولنبدأ بمن يفخر بأنهم أصحاب أول دستور مكتوب في العالم. يقول الرئيس المنتخب السابق دونالد ترامب ليس لدينا حرية صحافة بل قمع للحقيقة ثم يغرد بوقوع «عمليات تزوير» في الانتخابات الرئاسية، يكتب الرئيس التاسع والثلاثون للولايات المتحدة العاقل والهادئ جيمي كارتر مقالاً نشر مؤخراً في صحيفة النيويورك تايمز، عندما أبدى خوفه الشديد على ديموقراطية بلاده منبهاً حتى الديموقراطيات الراسخة حسب قوله يمكن أن تسقط في أيدي المستبدين والطغاة العسكريين، مؤكداً أن الديموقراطية أصبحت هشة بشكل خطير وأن أمتنا تتأرجح الآن على شفا هاوية…إلخ. علينا ألا ننسى فرنسا الدولة الملهمة لكثير من دساتير العالم، وكيف أن القضاء الفرنسي ينظر حالياً في قضايا رشاوى يتهم فيها رئيسها السابق ساركوزي، وقبله الرئيس الاسرائيلي المنتخب الذي صدرت بحقه أحكام سجن على اثرها للأسباب نفسها، وها هو اليمين الاوروبي المتطرف يزحف بقوة لقيادة أوروبا وما هو متوقع من نتائج، أما إذا اتجهنا إلى أفريقيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق فالديموقراطية هناك موسمية على أفضل تقدير. نعود لبيت القصيد وإلى معظم دولنا العربية المتقهقرة ليقف القول عاجزاً أمام كل ذلك الإرث الضائع، وكيف تمارس أغلبها جميع أنواع الاستخفاف بمستقبل هذه الشعوب وأجيالها القادمة. ثم نأتي لتجربتنا في هذا الوطن الغالي، مستثنين منها تضحيات ومسيرة المجالس التشريعية في مطلع الستينيات، كيف أصبحنا نمارس الديموقراطية بطرق مبتكرة «تتك النفس» تجاوزت كل القيم والأعراف، حوار هابط يسير إلى الأسوأ، أولويات غائبة، وصول غير شرعي لكرسي النيابة تحدده العائلة والطائفية والقبلية وليس صناديق الاقتراع، فهي صاحبة القول الفصل دون منازع. واأسفاه على وطن حباه الله بكل مقومات الريادة ولكن! ونحن أمام هذا المشهد أو لنقل تلك المسرحية الهزلية، دعونا نفكر معاً وبحرص شديد، لماذا لا يكون لدينا بديل ملهم يزيل عن كاهلنا عبئاً كاد يصل بنا إلى مرحلة اليأس؟ أقول من منطلق القناعة التامة والحرص الشديد على هذه الأيقونة مجلس التعاون الخليجي، لماذا لا يكون لدينا برلمان خليجي موحد، سموه ما شئتم؟ هذا التجمع أو البرلمان إذا ما قبلنا وجوده يتكون من مئة وخمسين عضواً من الرجال والنساء، خمسة وعشرون عضواً نصيب كل دولة من الدول الست، نصفهم معين والنصف الآخر منتخب، على أن تكون معايير العضوية تعليم أكاديمي عال وخبرات عملية ذات مستوىً رفيع، نظافة اليد وحسن السلوك، وقبل هذا وذاك البعد كل البعد عن ذلك التصنيف المخرب من انتماء عائلي أو قبلي أو طائفي، يترك اختيار مقره ورئيسه ولجانه لأعضاء البرلمان أنفسهم، ليصبح هذا البرلمان مصدراً للتشريع، وليكون شعاره وثيقة المدينة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً، قبل الدستور الأميركي بعشرة قرون، والتي قال عنها المرحوم الاستاذ د. عثمان عبدالملك عميد كلية الحقوق الأسبق، إنها المرجعية الدستورية وأول دستور مكتوب لأول دولة قانونية على وجه الأرض يحتوي على 37 مادة، تضمنت العديد من المبادئ الدستورية في تنظيم السلطات وذكرت كثيراً من حقوق الإنسان والحريات العامة، ولا يوجد ما يمنع من أن يتضمن أيضاً متطلبات تشريع الزمن الحالي دون التفريط بأهدافه السامية. يا له من تاريخ مشرف وعقيدة فيها ما يكفي ويتجاوز جميع ما وجد من قوانين وضعية سائدة. بعد كل ما قرأنا وشاهدنا طيلة قرون طويلة، نقول بملء افواهنا لا نريد أحزاباً ولا نريد مجالس تدعي أنها منتخبة، اكتفينا!
***
شكر وتقدير لجريدة القبس الغراء على قبولها ولفترة ليست بالقصيرة، لخواطر كانت موضع اجتهاد لعناوين مختلفة تصدرتها قضايا البيئة والتغير المناخي، لما لها من أهمية وأولوية لخطورتها على حضارة الانسان ووجوده، إذا لم يتحرك المجتمع الدولي متعاوناً للحد من نتائجها الكارثية.
أكرر شكري لـ القبس المتألقة ولجميع كوادرها المحترمين، ولكل من كان يقرأ خواطرنا المتواضعة، مودّعين الكتابة وممتنين للجميع، وكما يقال وهو صحيح «للسن أحكام».
* نقلا عن "القبس"