ليست لدينا «هيئة فتوى» تقيد المرأة بالجيش
تساءلنا كثيراً لماذا أثار بعض النواب كل هذا الشغب لأخذ الرأي الشرعي لدخول المرأة للجيش ولم يثيروه لدخولها الشرطة؟ بل لماذا لم يحدثوا الضجة نفسها على عمل البنوك التقليدية التي يعتبرونها «ربوية»؟! كما نتساءل لماذا لم يعترض أي نائب إسلامي أو حتى مشايخ أو حزب ديني على قرار البنك المركزي بإلزام البنوك الإسلامية بمعاملة المرابحة الإسلامية عند السداد المبكر معاملة الربا رغم صدور فتاوى نهائية لهيئة الإفتاء بالدولة بعدم جواز إلزام البنوك بذلك؟! ولماذا لم يلجأ كل هؤلاء الإسلاميين للقضاء لنصرة دينهم، وكنا الوحيدين الذين أقمنا دعوى ضد البنك المركزي رغم أننا عاديون، لا لحية ولا شوارب، لنصرة القانون؟!
ثم السؤال الأكبر لماذا لم يقم النواب الإسلاميون، عندما كانوا ضمن أغلبية معارضة ساحقة بالمجلس، بتغيير المادة الثانية بالدستور لتكون الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع؟
إن الإجابة لسهلة عن هذه الأسئلة، فالأغلبية مما ترون على الساحة من لحى وأحزاب دينية ونواب إسلاميين تقودهم دفة مصالحهم لمحاباة الحكومة ولتجاوز القانون لإرضاء جيوبهم وناخبيهم ولا عزاء للشرع والحق والباطل.
ورجوعاً لما يتعلق بالشروط الشرعية لدخول المرأة إلى الجيش، فقد أصدرتها ما تسمى «هيئة الفتوى»، التي تم تشكيلها بقرار وزاري 93/2021 بتاريخ 12 أغسطس 2021، وقد ضمت أعضاء هيئة تدريس وأكاديميين من جامعة الكويت، ولما كان القانون 29/1966 بشأن تنظيم التعليم العالي قد نصت مادته 27 على عدم الجواز لأعضاء هيئة التدريس والمعيدين القيام بأعمال الخبرة أو الاستشارة في غير التعليم العالي إلا بترخيص من مستشار التعليم العالي، ولما كان هناك أعضاء لم يحصلوا على ذلك الترخيص، فإن ذلك يضعنا أمام مخالفة صارخة للقانون قد تؤدي إلى بطلان قرار تشكيل هيئة الفتوى التي أصدرت الضوابط الشرعية الأخيرة لدخول المرأة للجيش!
أما المفاجأة التي قد تصدم أناساً، فإنه لا يوجد لدينا بالدولة كيان قانوني اسمه «هيئة الفتوى» ولم تنشأ بقانون أو بمرسوم، أي ليست لديها شخصية اعتبارية منفصلة في الحقوق والواجبات! وبالتالي فإن ما يسمى لدينا الآن «هيئة الفتوى» لا تعدو أن تكون أشبه بلجنة يصدر بها قرار من وزير الأوقاف بحيث يغيرها بشخطة قلم بأي وقت!
أما موضوع الساحة المتعلق بالقرار الوزاري بشأن ضوابط عمل المرأة في الجيش الكويتي 40/2022، فدعونا نعيد قراءته بعد أن نبارك لوزير الدفاع اجتيازه لطرح الثقة، فالبند العاشر من فقرة «بعد الاطلاع على: ينص على أن الفتوى رقم 1هـ/2022 الصادر بكتاب الوكيل المساعد لقطاع الافتاء والبحوث الشرعية المؤرخ 22/1/2022»، ما يكشف لنا بعض الأخطاء، منها لغوي في كلمة «الصادر»، لأنها يجب أن تكتب الصادرة كونها تشير إلى الفتوى. أما الذي يثير الشك، فهو تاريخ إصدار الفتوى، فكيف لفتوى تصدر بشكل رسمي في يوم عطلة أسبوعية الموافق السبت 22 يناير؟!
ثم الشبهة الأخرى فقد جاءت بأول بند متعلق بالشروط والضوابط وهو «موافقة ولي أمرها أو زوجها»، حيث إن المتعارف عليه شرعاً أن تكون موافقة ولي الأمر شرطاً بالنكاح لضمان التكافؤ وليس شرطاً بالعمل ما دامت ظروفه مهيأة للمرأة.
إن الغريب في هذه الفتوى التي تم التعامل معها بشيء أشبه بالسرية هو عدم نشر نصها كاملاً بوسائل الإعلام ليطلع عليها عامة الناس، وعلى حد علمنا، بمن فيهم أعضاء مجلس الأمة! كما لم نطلع على صيغة السؤال المطروح وما جاء من شرح وأسانيد، الذي عادة ما يكون مقروناً مع أي فتوى! علاوة على عدم بيان ما إذا كانت قد صدرت بالإجماع أو بالأغلبية، ما يجعلنا نتساءل بالفعل ماذا حدث داخل تلك الغرفة المغلقة؟!
وعليه، فإن ما يسمى «هيئة الفتوى» الحالية التي قمنا بالطعن فيها أمام القضاء على القرار الوزاري بتشكيلها، مما قد يبطل مستقبلاً جميع قراراتها، والتي تضم من بين أعضائها من هم غير متخصصين بالفقه الذي يعد شرطاً للإفتاء، هي في الحقيقة ليست هيئة فتوى لها كيان مستقل، بل لا تعدو أن تكون أشبه بلجنة تمت تسميتها هيئة فتوى، وهي التي أصدرت شروطاً شرعية نؤيدها، وقد تلغى بالمحاكم، والتي تقيد دخول المرأة بالجيش.
***
إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
نقلا عن "القبس"