"أصدقاء ولا أعز": الفن في مرمى السياسة
هدأت العاصفة أو كادت، ولم يكن من المفيد الخوض في الجدل حول فيلم "أصحاب... ولا أعز" أثناء الضجيج الذي صاحب عرضه للمرة الأولى على منصة فضائية لا يشاهدها إلا دافعو قيمة الإشتراك فيها، فالصخب الذي ملأ وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وحتى الأحاديث الجانبية بين الناس لا يمكن أن تسمع اثناءه إلا صياحاً وربما صراخاً. المهم هنا أن الآراء جاءت متباينة حول حدود الحرية وأين تقف ومتى تتحول ميزة مؤذية أو قيمة نافعة، فنصف الآراء ذهبت الى مهاجمة الفيلم والقائمين عليه واعتبرت أنهم يستحقون العقاب لترويجهم أفكاراً مدمرة، ولكونهم روجوا للإباحية والخروج عن الاخلاق... والدين، والنصف الآخر وجد في الفيلم مجالاً لتصفية الحسابات مع دعاة الإنغلاق والكبت والديكتاتورية ودافعوا عن القائمين على الفيلم من تقنيين وممثلين بل وأصدروا البيانات لدعمهم وشكلوا اللجان لمساندتهم وحذروا من المساس بهم.
لم يفوّت عناصر من الفريقين الفرصة لسن ألسنتهم وإطلاق عبارات السباب والألفاظ الجارحة وسيول البذاءة ضد الفريق الآخر، بل اقتحم بعضهم الحياة الشخصية لبطلة الفيلم المصرية منى زكي وطالبوا زوجها الممثل احمد حلمي بتطليقها!
وتابعت الغالبية الصامتة التي لا يملك أصحابها ثمن الاشتراك في المنصة وكذلك غير المهتمين أصلاً بملاحقة الإنتاج السينمائي الجديد المعركة في دهشة باعتبار أن المجتمعات العربية فيها من الأزمات والمشاكل والمواضيع ما يفوق بكثير الخناق حول فيلم سينمائي، وان اهتمامات الناس تنصب غالباً على الأساسيات التي تتعلق بحياتهم وليس رفاهية الشجار في أمور فرعية حدثت وتكررت كثيراً وانشغل الناس بها لفترة حتى أتى موضوع آخر وأزمة أخرى جذبت اهتامهم وشغفهم.
لم يخلُ الأمر من بعض السياسة، فـ"الإخوان المسلمون" مثلاً جيشوا أنفسهم وركبوا موجة الفيلم واصطادوا في مياه معركته العكرة ووصلوا الى حد الزعم أن أجهزة استخبارات كانت وراء العراك حول الفيلم لتشغل الناس عن الخروج في ثورة لم يتوقف تنظيمهم عن الدعوة اليها في الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني (يناير) من كل سنة، ولم يشر هؤلاء بالطبع الى فشل "الإخوان" في كل مرة دعوا فيها المصريين الى الثورة، أو أن الناس حولوا دعوات كتلك مادة للسخرية من ذلك التنظيم الإرهابي وفشله المتكرر، وعلى الجانب الآخر وجد موطنون مصريون موالون للدولة ويتصدون باستمرار لمؤامرات "الإخوان" في الكذبة مجالاً جديداً للسخرية من التنظيم وأظهروا ضيق أفق "الإخوان" الذين توارت مؤامراتهم وفشلت دعوتهم الى الثورة وتوارت خلف شجار حول فيلم سينمائي.
رغم الإقرار بحق المتلقي في الحكم على كل عمل فني قدمه القائمون عليه إلى العامة وقبوله أو رفضه وإبداء الرأي فيه بدءاً من فكرته وطريقة عرضه ومحتواه ومروراً بمستواه التقني ونهاية بأداء الممثلين، إلا أن الضجة التي أحدثها الفيلم كشفت الى أي مدى صار الفن في مرمى السياسة، والى أي حد سقطت الهيبة عن الشخصيات العامة وخصوصاً الممثلين والممثلات باعتبارهم نجوماً ظلوا على مدى عقود طويلة بعيدين من التناول من جانب الجماهير وبقيت عملية انتقادهم أو حتى الهجوم عليهم حكراً على النقاد والإعلاميين. تغير الحال ووضعت مواقع التواصل الاجتماعي كل المشاهير في مرمى الجميع، وعجز هذا الفنان المشهور أو تلك الممثلة المشهورة عن الرد أو ملاحقة سيول الشتائم وطوفان السباب مع كل رأي طرحه هذا الفنان أو كل فستان ارتدته تلك الممثلة، ناهيك بالطبع بحملات الاغتيال المعنوي بعد كل مسلسل أو فيلم، ليس فقط لأسباب أخلاقية ولكن أيضاً بحسب موقف كل ممثل وممثلة من قضايا وطنه!. كل ذلك لا ينفي شطط بعض الفنانين الذين وجدوا في الانقسامات التي خلفها "الربيع العربي" مجالاً لكسب فئة ما من الجماهير ستمثل لهم ظهيراً شعبياً سيدافع عنهم اذا ما اعترض عليهم فريق آخر! فإذا مس الفيلم أو المسلسل الأخلاق وتضمن مشاهد إباحية او الفاظاً خارجة فدعاة الحريات وحقوق الإنسان سيتصدون للمنتقدين أو الغاضبين، وإذا روج الفيلم أو المسلسل لأفكار ظلامية فسيتولى المحافظون والمتحفظون الدفاع عنه في مواجهة المنحلين والمثليين!
انتهى زمن الفن، أو قل الرأي، الذي يحظى بالتأييد الكامل، واختفى رد الفعل الذي يقيّم العمل الفني من زاوية انه مجرد فيلم أو مسلسل او حتى أغنية، لك أن تراه او تسمعه ويعجبك أصحابه أو تحتقرهم، ثم تنصرف وتنتظر غيره، أصبحت كل الفنون، من وجهة نظر الغالبية، موجهة إما من نظام حكم أو فنانين منحلين أو تنظيمات إرهابية!
أخيراً تبقى واقعة عاكسة لبعض حيل المنتجين للترويج لسلعهم والإعلان عنها من دون كلفة مادية كان كاتب مصري مرموق يلجأ لها كلما طرح كتاباً في الأسواق. صاحبنا قبل أن يصل كتابه الى المكتبات يعمد إلى تسخين الأجواء فيوحي أولاً لمن حوله بأن كتابه سيثير ضجة سياسية وأن السلطات لن تمرر الكتاب وستصادره لأنه يتناول معلومات خطيرة عن شخصية في الحكم، أو أن الأزهر سيلجأ الى القضاء للحؤول دون وصول الكتاب الى الناس لأن موضوعه شائك وسيعتبره المتشددون يطعن في ثوابت دينية، أو أن يدعي أن سفيراً لدولة عربية طلب من الحكومة المصرية منع طباعة الكتاب لأنه يتضمن روايات حقيقية ستغضب تلك الدولة، وحين ينتظر الناس الضجة حول الكتاب وردود الفعل تجاهه لم يكن صديقنا يتورع أن يطلب من أحد أصدقائه أن يسارع الى إقامة دعوى قضائية لمصادرة الكتاب لأنه يحوي عبارات ضد الدين أو الأخلاق أو الأعراف والتقاليد أو الحياة الخاصة لشخص مسؤول، المهم أن الكتاب يطعن وليس مهماً يطعن في ماذا، وطبيعي أن الصحف والمجلات وبرامج التلفزيون سواء في مصر أم خارجها ستتناول الموضوع والكتاب واسم صاحبه ويصبح السوق متعطشاً للكتاب الذي يظهر بعدها انه لا يطعن في أي شيء.
* نقلا عن " النهار"