الوظائف الاجتماعية للفنون

عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

يقال إن الإنسان عندما يريد الزواج فإنه لا يذهب إلي البنك وإنما يذهب إلي المأذون. جوهر القول هنا هو أن لكل أمر وظيفة، ولكل شأن مهمة، ولكل قول منطقا. والفنون فيها أمور كثيرة وشئون أكثر عبر العصور والتاريخ، ومنها يأتي منطق الزمن وقدرته على التعبير عما كان وجري. ولم يعرف أحد أبدا لماذا أصر إنسان الكهف الأول علي أن يسجل تاريخه في الحركة والعيش والتناسل مستخدما الفحم المتخلف عن حرائق الغابات. كانت الوظيفة هي نقل التجربة الإنسانية عارية تماما إلى الأجيال التالية وهو ما استمر عليه الإنسان حتى بعد أن خرج من الكهف وتغطي تماما في عورته وجسده. أصبحت الفنون أكثر تعقيدا، وباتت ضخامة التماثيل الفرعونية دليلا على جبروت الفراعنة، ورسالة ردع لمن يقترب من أرض الجبابرة. كان ممكنا أن تكون المعابد صغيرة، ومن الجائز أن اعتراضا جري على معبد الكرنك بسبب الضغوط التي سببها للموازنة العامة، ولكن وظيفة المعبد في بهائه وروعته كانت تعبر عن حالة دولة عظمي مرهوبة الجانب عظيمة البنيان. وبعد أزمان كثيرة وجدت دول كبري أن المسلات المصرية القديمة لم تكن فقط بناء شاهقا بين الأرض والسماء وإنما كانت رسالة الإنسان بين المادي والمقدس. عواصم عالمية أخذت المسلة ووضعتها على عملتها، وفي روما – قلب الحضارة الغربية المعاصرة – انتشرت ١٨ مسلة؛ ووضع الأمريكيون الهرم فوق عملتهم. لم يكن هناك في خارج الفن المصري القديم ما يعطي رسالة الخلود قدر ما تركه المصريون من فنون.

لم يكن أمام بقية حضارات العالم ما يضاف في زوايا الميلاد والبعث والخلود، فدخلت الفنون إلى مزيد من تفاصيل الإنسان ذاته، فعلها الإغريق والرومان وبدأ الجسد الإنساني في عريه رسالة ربانية على عظمة الخالق وجمال المخلوق. لم يكن هناك خجل يصاحب رؤية الإنسان لذاته، ورغم الضغوط النفسية والعصبية التي وضعتها الكنائس والأديرة والرهبان على ما تقدمه الفتنة من فساد أخلاقي – أو هكذا جري التصور – فإن رسوم الدار الآخرة لكبار فناني العصور الوسطي كانت لهم رؤية حافلة بالعلاقات الحميمة سواء كان ذلك في الجنة أو جهنم. الحضارة العربية الإسلامية حاولت الخروج من حالة الجسد الإنساني وعورته بأن تقدم فنا «أرابيسك» يقوم على تداخل الدوائر مع المربعات والمثلثات التي شكلت تجريدا لأشكال كثيرة من الالتحام. ولكن ما بدا مجردا وخياليا في الفن المعماري، فإنه بات صريحا وفضائحيا في الآداب والأشعار والحكايات التي رويت في ألف ليلة وليلة التي كانت تقص عن علاقة يومية بين ذكر وأنثي. أصبح الفن الشائع عن الجنة أنها بحار من الخمر والعسل، والنساء الكثيرات، والمردة من الذكور. كان الخلاص من الإثم كافيا عن طريق تأجيله إلى ما بعد رحلة العبور إلي الدار الآخرة؛ وعندما جاءت العصور الحديثة اختلط في الفنون البحث عن الجمال، وتصوير العلاقات الإنسانية في إثمها ومعصيتها. كانت الفنون تقوم بوظائفها، وهي عكس الحقيقة الإنسانية بكل ما فيها من سمو وتقوي، وما فيها من مروق وفجور.

الفنون المعاصرة في الموسيقي والسينما والمسرح ومضافا لها الآن المواقع الافتراضية باتت أكثر جرأة في التعامل المباشر مع الشأن الإنساني، عارفة أن قضية الإنسان الحر قد باتت اختيارا بأن يتعرف علي حياة البشر بحلوها ومرها، أو أن يضغط على الريموت ويستمع إلى التواشيح الدينية وموسيقي الدفوف التي تذاع في الأفراح السلفية. لم يكن الإنسان حرا إزاء الفنون كما هو الحال الآن، ولم يحصل الإنسان على مساحة من الاختيارات الكبرى كما هو الآن. ولمن لا يعرف فإن شبكة نتفليكس ليست الشبكة الوحيدة في عالم عرض أشكال مختلفة من الفنون التسجيلية والروائية، فهناك عشرات منها وكلها متاحة، ويمكن للمواطن العالمي أن يدخل اشتراكا في شركة آبل لكي يحصل على كل ما ينتجه العالم من فنون حركية وغير حركية. هذه الشركات لم تخترع العالم، ولم تخلقه، وإنما خلقه رب العالمين، وهو الذي خلق المخلوقات كلها من أصغر الحشرات إلى الإنسان إلى النباتات العملاقة والغابات الكبرى، وكلها كانت نتائج تطورات بيولوجية حدد قوانينها ومنتجاتها رب العرش العظيم. وبين هذه المخلوقات جميعا تعددت علاقات التكاثر كان أكثرها بين ذكر وأنثي، وعليها تكونت الخلايا العضوية، والانقسامات الحيوية، ولكن بعضها ويقدر ١٠٪ كانت نتيجتها مثلية.

والحقيقة هي أن العالم لم يكن رحيما بمثل هذا الخروج عن الناموس العام، وأصبح على الإنسان اختيارات أخري، كان أولها العقاب علي الوجود ذاته؛ وثانيها ظنا أن الأمر انحراف كان الخضوع لتصحيح مكونات البدن من خلال العقاقير والصدمات الكهربائية؛ وثالثها اللفظ والنفي الإنساني والعزلة إلي حافة الانتحار؛ وفي حالات رابعا وكان ذلك شائعا في القري المصرية هو التعايش مع وجود الحالة، فلا أحد يسأل ولا أحد يجيب. في عقد التسعينيات من القرن الماضي واجه الرئيس بيل كلينتون قضية قبول المثليين في القوات المسلحة، وكانت القاعدة التي استنها أن لا أحد يسأل ولا أحد يجيب، فالمهم ليس الحالة الجسدية للإنسان، أو الإنسانة، وإنما ما يقومان به من واجبات. لم يمض وقت طويل حتى جاء الأمر خامسا بقبول الحالة التي باتت أكثر تعقيدا مع المعايشة بالإرث واقتسام الثروة. لحسن الحظ أننا في مصر لم نصل إلى هذه الحالة بعد، ويكفينا الجدل حول قيام الفن بوظيفته في التعبير عن الحياة كما هي وليس كما نتخيلها؛ ولكن مصاب المعرفة أليم لأن القضية ليست مجرد حرية الرأي والتعبير في مواجهة تقييدها، وإنما هي الاعتراف بالحياة وما فيها من مخلوقات، والتسليم بأمور لا يعرف أصولها وفصولها إلا رب العباد.

* نقلا عن " الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط