حتى وإن كان الحل غير دستوري
حل المجلس هو مادة من مواد الدستور وضع فكرتها أعضاء أول لجنة للدستور عام ۱۹۳۹ وصاغوا نصها باجتماعهم في منطقة الدمنة، عندما تدارسوا المسودة الأخيرة قبل أن يرفعوها للأمير، وقد اختلفوا كثيرا في إعطاء هذه الصلاحية المطلقة للحاکم خوفاً من أن تستغل بشكل غير صحيح من قبل المحيطين به، حسب ما ذكر العدساني في مذكراته، ولكنهم في النهاية اتفقوا على بقائها وتقييدها بأن للحاكم حل المجلس التشريعي متى نشبت بأسبابه فتنة عامة في البلد استعصى حلها بالطرق السلمية، بهكذا أعطى الكويتيون الوطنيون لحاكمهم صلاحية الحل، فلم يكونوا خائفين بل أوفياء للميثاق الذي قطعوه على أنفسهم تجاهه واثقين بحكمته، ثم جاءت لجنة صياغة الدستور 1962 وأكدت هذه الثقة بالحاكم في نص المادة 107. ولطالما كنا متعلقين بهذه المادة عند العثرات، وتوقعنا حدوثها وطالبنا فيها بمقالنا في نوفمبر 2005 بعنوان «حل» فحل المجلس بعد ستة أشهر، واستمرت مطالباتنا كغيرنا على مدى أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن في عدة مقالات عند كل أزمة، حتى مؤخراً في مقال عنوانه «الحل بالحل» يناير 2022.
الشاهد أننا على طوال سبعة عشر عاماً كنا نطالب بحل المجلس، فما أشبه ليلة 2005 والسنوات التي تلتها ببارحة 2022؟! حيث بدت الحكومة طوال هذه الأعوام غير قادرة على الإصلاح وغير قادرة على التعامل مع النواب بشكل قانوني، وكلنا قد عشنا هذا الغليان السياسي ليس لتلك الفترة فحسب، بل ومنذ دواوين الإثنين قبل الغزو، مما يعني أن هناك خللاً في نظامنا الديموقراطي، بعد وفاة المغفور له عبدالله السالم، وهو ما يحتاج لإعادة هيكله في عدة جوانب، كنظام الدوائر والتصويت، وإن تطلب ذلك وقف ممارسة الديموقراطية لفترة لإعادة صياغتها بعيداً عن مزايدات بعض أعضاء مجلس الأمة.
إن وضعنا الحالي وما فيه من ضوضاء وفساد عميق يجعل أي بديل مقبولاً لدينا، حتى وإن كان على حساب تعطيل المجلس، لأن ذلك لا يشكل خطراً على المال والنظام العام، فالسرقات لم تتوقف والهدر لم يتباطأ بوجود مجلس الأمة بل تضاعفا، لأن بعض المتطاولين وجدوا أدواتهم في البرلمان والأمثلة يعرفها القاصي قبل الداني.
حتى في موضوع سن التشريعات والرقابة، فنحن على سبيل المثال وجدنا في الحكومة أكثر من رغبة في إصلاح التعليم والصحة وقطاعات أخرى، إلا أنها تصطدم بمساومات بعض النواب لتمرير مصالحهم ومخالفات ناخبيهم، ناهيك عن استخدامهم تقارير ديوان المحاسبة ليس لإزالة المخالفات - بدليل تكرار أغلبها كل عام - بل للضغط على الجهات لتخليص معاملاتهم ومناقصاتهم وتعيين مفاتيحهم وإبقائهم في مناصبهم رغم استفحال فسادهم وغلّ يد الحكومة عن إزاحتهم، ونعرفهم بالاسماء، مما دمر الجهاز الإداري للدولة!
لقد صرنا نؤيد، مع قاعدة عريضة، حل المجلس وخاصة بعد أن أصبح ساحة صراعات وصل بها الحال للخوض على الملأ في خلافات البعض في الأسرة كما شاهدنا جميعاً، وليس حل المجلس فحسب بل و«حل حكومة الظل» وهو عنوان مقال كتبناه في مايو 2006، أي كنا نلاحظ ذلك منذ أكثر من عقد ونصف العقد، كما يلاحظ آخرون، وهو ما يجعلنا نعتقد أن البلد يدار حكوميا بأذرع من خارج الدورة المستندية للجهاز الإداري للدولة، وعليه إن كان سيف إعادة هيكلة كل هذه الفوضى يتطلب حلاً للمجلس، فإننا نؤيد ذلك وإن كان لفترة على شكل حل غير دستوري.
***
نعتقد أننا جميعا أصبنا بإحباط بعد أحداث جلسة طرح الثقة الأخيرة واستقالة الوزيرين التي لا بد ان تكون لها تبعات، وكأن الدنيا تعطلت وصار الناس فيها يقلبون خياراتهم ونحن معهم ونقلب أيضاً قصاصات أوراقنا القديمة والكلمات المبعثرة لنجمعها على وزن بحر «المخلّع البسيط»، وننشر منها بيتاً واحداً لهذه البلاد نعزيها:
ما خلتُ أني آتٍ لأرثيـها
فتدنو مني لتُبكيني فأبكيـها
****
إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
* نقلا عن "القبس"