مناطق النفوذ والمعايير المتناقضة

بسام البنمحمد
بسام البنمحمد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ما يجري الآن بين روسيا والغرب في أوكرانيا يذكرنا ويشبه كثيرًا أسلوب مواجهات الحرب الباردة عندما كان المعسكران الشرقي والغربي يتصارعون على مناطق النفوذ والتأثير sphere of influence إما عبر التوسع وصولا لحدود الطرف الآخر أو عبر كسب حلفاء أكثر من الآخر، حتى وإن كانوا حلفاء غير استراتيجيين.

مبادئ الأمن الدولي والمعاهدات الدولية تنص على أنه لا يجوز تعزيز أمن دولة ما على حساب دولة أخرى لمنع انفجار سباق التسلح والصراعات العسكرية، إنما ما يحصل في أوكرانيا الآن هو تماما عكس هذه المبادئ مما أشعل الصراع وبعد سنوات طويلة من تصاعد حدة الخلافات وعدم معالجتها بشكل جذري انفجرت المواجهات العسكرية التي كان بالإمكان تجنبها لو تمت مراعاة هذه المبادئ.

فروسيا تراها مسألة وجودية وتطالب بضمانات استراتيجية، مثل ضمان حياد أوكرانيا وعدم انضمامها لحلف الناتو، وعدم توسع الناتو شرقا نحو حدود روسيا كما كان الوعد بين الغرب والاتحاد السوفيتي بزعامة غورباتشوف في بداية التسعينيات. وبينما يرى الغرب أن الدول التي انضمت لحلف الناتو قد انضمت بناء على طلبهم ولم يجبروا على ذلك حتى وإن كانوا على حدود روسيا وسابقا ضمن الاتحاد السوفيتي وبما لا يتوافق مع اتفاقهم مع موسكو في ذلك الوقت، ويرون أن مطالب موسكو تعتبر تهديدا مصيريا بالنسبة لهم ولمصالحهم (وأسلوب حياتهم وقيمهم!) تستوجب أولا عدم الاستجابة لمطالب روسيا بمراعاة أمنها (حتى قبل العمليات العسكرية التي كان ممكنا تجنبها)، وثانيا تستوجب فرض أقصى العقوبات والعزلة والحشد الدولي وصولا لتسليح أوكرانيا ودعم رسمي لإرسال متطوعين للقتال في أوكرانيا!

بينما لا يستطيع الغرب (أميركا والدول الأوروبية) تفهم ذات الموقف والسيناريو الذي تخشاه وتعاني منه دول الخليج العربي مع إيران، في محاولاتها لتوسعة مناطق نفوذها sphere of influence وعلى حساب أمن واستقرار جيرانها وشعوب المنطقة ككل. وانحصر اهتمام أميركا والغرب في التفاوض مع إيران على برنامجها النووي بغض النظر عن سلوكها المزعزع للأمن واعتدائها على السفرات الأجنبية واحتجازها للمواطنين الأجانب والمساومة بهم وتأسيسها ودعمها لميليشيات عابرة للحدود وتدميرها دولا عربية مستقلة!

أليس ما تفعله إيران شبيها بما تفعله روسيا؟ بل أسوأ مما تفعله روسيا، فروسيا تقدم مطالبها لحماية أمنها -من وجهة نظرها- وتتصرف كدولة لها مصالح استراتيجية وأمن قومي تتحرك علنا بناء عليه حتى وإن تعارض مع مصالح دول أخرى أو أخذ شكلا عسكريا لا ندعمه بأي شكل من الأشكال، ولكن إيران لا تتصرف كدولة إنما كمنبع للإرهاب والفوضى ومع ذلك يصر الغرب على التفاوض معها فقط فيما يخص برنامجها النووي مقابل إطلاق يدها وتمكينها عبر رفع العقوبات عنها وغض النظر عن تصرفاتها وسياساتها في المنطقة وتوسعة مناطق نفوذها لدول عربية لا علاقة لإيران فيها لا تاريخيا ولا ثقافيا ولا عرقيا ولا مصالح مشتركة ولا تاريخا مشتركا غير محاولات سابقة لإيران لغزو والاستحواذ على خيرات الشعوب والهيمنة على مصيرها وقرارها.

هل لأننا لا نشبههم فلا يعنيهم المتاجرة في مصيرنا والتفاوض في شأن يخصنا أكثر مما يخصهم ويمس أمننا قبل أن يضرهم؟ لكن عندما شاهدت إعلاميين ومسؤولين غربيين يقولون علنا إن على دولهم التحرك ومواجهة روسيا وحماية الأوكرانيين لأنهم يشبهونهم وليسوا مثل اللاجئين العراقيين والسوريين والأفغان، تغاضيت عن السؤال وتذكرت في العام 2012 عندما قال لي مسؤول غربي كبير في منظمة دولية للإغاثة إنه شاهد فضائع وجرائم إبادة جماعية بشعة في إفريقيا وغيرها من المناطق ولكنه تعامل معها بمهنية ولم يتأثر بها كما حصل معه عندما شاهد آثار الحرب في البوسنة والهرسك، وعندما سألته لماذا؟ قال لي لأنهم يشبهوننا نحن الأوروبيين فكيف يحدث هذا لهم!!

فأهلا وسهلا بكم في نظام عالمي يُحكم بناء على تشابه البشر أو اختلافهم لا بحكم إنسانيتهم وعدالة مطالبهم أو حقوقهم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط