هل ينفلت الجني النووي من القمقم ؟

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

بشكل غير عقلاني تتسارع الأحداث على هامش العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، وتبدو المساقات غير طبيعية، لا سيما في ظل حالة التحشيد النووي من جانب القيادة الروسية، وبنوع خاص بعد إعلان الرئيس فلاديمير بوتين، عن وضع قوات الردع الاستراتيجي الروسية في حالة تأهب قتالي خاصة .

في تبريره لقراره هذا، كان بوتين يؤكد على أن الخطوة جاءت ردا على مسؤولي الغرب الذين "لم يكتفوا باتخاذ خطوات عدائية اقتصادية وحسب.. بل أدلى مسؤولوهم في حلف الناتو بتصريحات عدوانية ضد روسيا ".

ما الذي يعنيه أول الأمر تعبير "قوات الردع الاستراتيجية"؟

باختصار مفيد، يعني القدرات النووية الهجومية والدفاعية الروسية، وعمادها الصواريخ الباليستية والفرط صوتية العابرة للقارات، والتي يمكنها أن تطال كافة بقاع وأصقاع الكرة الأرضية ،عطفا على القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى المحملة بالقنابل النووية ، والسفن والغواصات المزخرة بالصواريخ النووية، وبجانب ما تقدم القوات الاستراتيجية التقليدية غير النووية .

لا يتذكر المرء صدور مثل هذا التوجيه طوال العقود الثلاثة المنصرمة ، وبنوع خاص منذ تفكك الاتحاد السوفيتي ، وحتى في زمن الحرب الباردة لم يصل منسوب التوتر إلى هذا الحد ، إلا في مرات نادرة، كما في حال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 .

على أن قرار الرئيس بوتين، والذي يشبهه البعض بأنه ضرب من ضروب إخراج الجني النووي من قمقمه، لا تزال تحيط به أسئلة غامضة وبخاصة بعد تصريحات وزير الخارجية الروسي ، سيرغي لافروف ، الدبلوماسي العتيد ، والذي يعرف خطورة الكلمات ، وفيها حذر من أن " الحرب العالمية الثالثة ستكون نووية ومدمرة ".

ما الذي يستدعي التفوه بعبارة ثقيلة من هذا النوع ، كفيلة بتهديد أمن وسلام العالم من جهة، عطفا على ما يمكن أن تفعله من قلاقل واضطرابات في الأسواق المالية العالمية المختلة في الأصل بعد العمليات العسكرية في أوكرانيا من ناحية ثانية؟

الشاهد أن هناك تسريبات خرجت إلى سطح الأحداث بعد يومين من بدء التدخل الروسي العسكري في أوكرانيا، تسريبات تفيد بأن المعسكر الغربي برأس حربته الأمريكية، كان قد أخذ في إنشاء مشروع نووي عسكري داخل أوكرانيا ، مستغلا الحظر البيئي والأمني المفروض على منطقة تشرنوبيل ، حيث انفجر هناك المفاعل القديم في زمن الاتحاد السوفيتي عام 1986، وإعادة الإحياء النووي هناك.

قصة أوكرانيا مع الأسلحة النووية مثيرة للتأمل فقد كانت تمتلك أكثر من ثلاثة آلاف راس نووي، تنازلت عنها في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، مقابل وعود غربية بالحماية، وقرض غير حسن من الولايات المتحدة الأمريكية، لا يزيد عن أربعمائة مليون دولار .

خيل للقارئ والسامع لتلك التسريبات، أنها نوع من أنواع الهواجس التي تواكب التطورات العسكرية على الأرض ، غير أن ما صدر بعدها من تصريحات للوزير لافروف كانت تؤشر بالفعل لوجود تحركات أوكرانية للعودة مرة أخرى لحيازة أسلحة نووية، وهذا ما كانت موسكو ولا تزال ترفضه .

أمر آخر لفت الانتباه ، وهو سرعة وتركيز القوات الروسية الخاصة ، في وعلى محاصرة المنشآت النووية الواقعة في القطاعات التي دخلتها القوات الروسية، وقبل أي أهداف أخرى.

هل يعني ذلك أن هناك وضمن مسوغات الغزو الروسي لأوكرانيا بعدا ما موصولا بالأوضاع النووية في تلك المنطقة ، غير معروف ولم يمط عنه اللثام بعد؟

حكما هناك أمر غريب ومقلق للعالم برمته، وليس للمنطقة الأوراسية فقط ، لا سيما وأن الرئيس بوتين، وقبل سنوات قليلة كانت له رؤية واضحة وقاطعة ، رؤية معارضة لأولئك الذين سعوا في طريق التلويح باستخدام الأسلحة النووية، وقد صرح بالقول وقتها: "التلويح بالأسلحة النووية هو آخر شيء يجب القيام به . هذا خطاب ضار، وأنا لا أرحب به ".

هنا يبدو البحث عن الأسباب التي دعته لهذا الاستنفار النووي ، وبعد ثلاثة أيام فقط من بدء عمليات أوكرانيا ، أمر واجب الوجود ، وحتى لا تغطي الكون سحابة شتاء نووي في لحظة من سخونة الرؤوس .

هل من أرقام محددة عن ترسانة روسيا النووية ؟

ما يتوافر وبحسب موقع " غلوبال فاير باور " الشهير يفيد بأن موسكو تحشد أكثر من 1500 رأسا نوويا استراتيجيا معد للإطلاق باستخدام أكثر من 500 صاروخ باليستي عابر للقارات والغواصات والقاذفات الاستراتيجية ، بينما يصل عدد القنابل النووية الاستراتيجية والتكتيكية المخزنة إلى 2700 قنبلة ،إضافة إلى 2510 رأسا نوويا من المنتظر أن يتم تفكيكها.

أما موقع " نيفيل نيوز "الأمريكي فيتناول امتلاك الأسطول الروسي لأخطر سلاح نووي في العالم يعرف باسم "طوربيد يوم القيامة"، والذي تم الكشف عنه في عام 2015، وأكدته وثائق تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية العام الحالي.

هذا الطوربيد النووي الذي يطلق عليه أيضا "ستاتس-6"، قادر على أن يدمر شواطئ العدو بشكل كامل ، ويقضي على مظاهر الحياة فيها لأجيال ، والعهدة هنا على الراوي مجلة "بوبيلر ميكانيكز" الأمريكية.

ووفقا لمجلة " ناشيونال إنترست "، فإن الطوربيد الروسي الخارق ينطلق تحت الماء على عمق يزيد على ألف متر، كما أنه ينطلق عبر تضاريس قاع البحر التي لا يمكن لأي غواصات أو مضادات للطوربيدات أن تصل إليها.

لم تعد قصة المارد النووي حول العالم تحتمل المزيد من الغموض، ولا يحتمل المشهد الأممي الساخن أي هامش من الخطأ ، في الحال، أما الاستقبال فحكما سيكون مؤلما، لا سيما وأن ضعف أوكرانيا سيدفع المزيد من الدول إلى السعي في طريق حيازة أسلحة نووية تردع عنها أطماع القريب والغريب دفعة واحدة .

هل المشهد الروسي بداية لانفلات الجني النووي من قمقمه؟

نأمل أن لا يكون ذلك كذلك .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط