في الحرب الأوكرانية.. هناك روسيا النووية وليس بوتين فقط

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

اصطفت أغلب التنظيرات والتحليلات التي رافقت الأزمة والحرب – التي تلت – الروسية الأوكرانية في خانة أن قرار اجتياح روسيا لأوكرانيا إنما هو قرار شخصي/انفعالي للرئيس بوتين وليس قراراً سيادياً يمثل دولة نووية تشغل 1/8 مساحة الأرض المأهولة، ويعيش فيها 143 مليون نسمة؛ والأهم، من الناحية الاقتصادية، فهي تمتلك وتتحكم بأكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم، إضافة إلى ثامن احتياطي نفطي في الكرة الأرضية.

فلاديمير بوتين، الذي تعتق في مرق جهاز مخابرات الاتحاد السوفيتي السميك، لابد أن خدمته الطويلة في ذلك الجهاز قد علمته حساب خطواته بدقة وبنسبة خطأ واحد بالمليون، على الأقل خوفاً من بطش رؤسائه في ذلك الجهاز، فكيف سيتحول إلى مجر صبي طائش ونزق، يتخذ قرارات غير مدروسة، بعد أن أصبح رئيساً لثاني أكبر قوة نووية في العالم؟

لماذا يجب أن يكون فلاديمير بوتين أكثر طيشاً ونزقاً من جورج دبليو بوش الابن ودونالد ترامب، عندما كانا رئيسين للولايات المتحدة مثلاً؟ ألم يتخذ جورج دبليو بوش أقذر قرارات الحروب وأكثرها طيشاً ونزقاً، خلال رئاسته للولايات المتحدة، ضد أفغانستان والعراق؟

والأهم من هذا كله، هل نام فلاديمير بوتين واستيقظ في الساعة الثانية عشر من بعد ظهر يوم 23 فبراير (يقال انه يسهر إلى ساعة متأخرة في العمل ويصحو عند منتصف النهار) ليعطي أوامره للقوات العسكرية الروسية بالهجوم على أوكرانيا؟

أوكرانيا هي خاصرة روسيا الاتحادية الملاصقة لدول حلف الناتو، وهي خاصرة رخوة، سياسياً، أمام الوعود والاغراءات الغربية. وهي خاصرة رخوة أمنياً، بسبب سعي دول حلف الناتو لتطويق روسيا عبرها، عن طريق سعيها وسعي الدول الاوربية الكبيرة والولايات المتحدة الأمريكية، على وجه الخصوص، لضمها للحلف وتحويلها إلى قاعدة عسكرية متقدمة لتطويق روسيا، بدل أن تبقى حديقة خلفية لروسيا ونافذة تطل منها على دول الاتحاد السوفيتي السابق، التي يحلم الرئيس فلاديمير بوتين بإرجاعها إلى بيت الطاعة الروسي، وخاصة أن الاتحاد الأوربي قد استنكف من ضم أغلبها إلى ربوع فردوسه العتيد.

عملية اجتياح الجيش الروسي لأوكرانيا هي حرب الاتحاد الروسي ضد مشاريع حلف الناتو في تطويقه وتحجيمه وترهيبه بالقوة الغربية (ممثلة بحلف الناتو) وليست حرب مزاج الرئيس فلاديمير بوتين أو عملية استعراض قوة جيشه في لحظة غرور.

نعم، لقد قضى عنت وتجبر ودكتاتورية وسوء إدارة قادة روسيا بالذات، على منظومة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي وحلف وارسو وفرط عقد وحدتها فيما مضى، ولكن هذا لا يعني أن ذلك التصدع قد قضى على قوة روسيا، الجزء الأكبر والمركزي في تلك المنظومة، أو جردها من قوتها العسكرية والنووية وكونها من بين طليعة الدول المنتجة والمصدرة للأسلحة المتطورة، الدفاعية والهجومية، على حد سواء.

وبغض النظر عن مدى ديمقراطية حكم الرئيس بوتين، فالرجل قد حقق طفرة اقتصادية كبيرة في حياة الاتحاد الروسي، قياساً لسابقيه من قادة روسيا والاتحاد السوفيتي السابق، كما إن من حقه أن ينظر ويتعامل بجدية مع التهديدات التي تستهدف أمن بلاده القومي. وبرأيه على الأقل، فإن عبث الرئيس الأوكراني كان قد بلغ مداه فيما يخص ذلك الأمن. هذا من جهة، ومن الجهة الثانية فإن دول حلف الناتو لم تتعامل بجدية مع مخاوف روسيا بخصوص أمنها وتصرفت مع الرئيس بوتين كدكتاتور مغرور لدولة عاجزة من دول العالم الثالث، ومن دون التوقف أمام خطورة ونتائج عبث أوكرانيا بأمن روسيا وانتهاكاتها لحدود ذلك الأمن المقدس بالنسبة لقيصر روسي جديد، يعرف تماماً مدى حجم بلده وقوته وماضيه كقوة عظمى، كانت تمثل، حتى بداية عقد تسعينات القرن العشرين، قطب التوازن الثاني، في خارطة كوكب الأرض بكامله.

التجاوزات والاختراقات الأوكرانية مثلت تهديداً مصيرياً للأمن القومي الروسي، وكان على قادة أوربا وأمريكا إدراك هذا، بدل التعامل مع بوتين على إنه مجرد شاب مغرور، صار في غفلة من الزمن، بيده قطعة سلاح عتيقة والتعويل على فرضية أنها قد تكون غير صالحة لإطلاق النار.

قرار الحرب قرار طائش وغبي في كل المقاييس والأزمان والأحوال، ولكن هل بذلت الدول الغربية جهداً حقيقياً لتلافيه، وخاصة أن حربه ستجري على أراضي قارتها هذه المرة؟ يأتينا الجواب من سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي بالذات بقوله، عندما سأل عن فحوى لقائه بوزيرة الخارجية البريطانية: لقد كان حوار طرشان، وعلى ما يبدو، فإن هذا ذاته ما حدث في حوارات زوار القادة الأوربيين للكرملين وتقاسمهم لمساحة طاولته الطويلة مع قيصر روسيا الجديد، وإلا لم اتخذ قرار الحرب؟

وقعت الحرب الآن، فمن من دول أوربا ستتدخل فيها لإنقاذ الرئيس الأوكراني الشاب الطائش وخصمه دولة نووية ومنتجة للأسلحة والطائرات المقاتلة والصواريخ البالستية ومنظومات الدفاع المتطورة؟ هل أي من دول أوربا الكبيرة والصناعية على استعداد لدخول حرب مدمرة وحرق أراضيها وموطنيها من أجل الرئيس الأوكراني أو حتى أوكرانيا بكاملها، وخاصة مع طرف كبير ونووي مثل روسيا؟

وقعت الحرب المدمرة الآن وخلال يومين منها، صارت القوات الروسية على حدود العاصمة الأوكرانية كييف وتشرد الالاف من اللاجئين الأوكرانيين في دول جوارها، فبم ردت دول أوربا التي حرضت الرئيس الأوكراني؟ بالعقوبات الاقتصادية؛ متناسية أن صمام الغاز الذي يسيّر حياتها اليومية هو بيد القيصر، الذي وصمته بالنزق، بالذات!

وقعت الحرب الآن واجتاحت القوات الروسية الأراضي الأوكرانية، من دون أن تطلق عليها دول الناتو أكثر من التصريحات والعقوبات؛ وبالتأكيد فإن هذه الحرب لن تتوقف قبل طرد الرئيس الأوكراني المشاغب وتنصيب رئيس موالي لروسيا، فبم سترد دول أوربا وكيف سيكون موقفها من نصف قيصر جديد أكثر قرباً ومساساً بأراضيها وأمنها الأوربي الكبير؟

نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط