"فلتذهب أوكرانيا إلى الجحيم"

أحمد مسلم
أحمد مسلم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

تسمية أو اختيار أو تحديد عنوان للصراع في أوكرانيا .. أصبح أصعب من الحرب العسكرية والاقتصادية الجارية حاليا في ذاتها .. فهي المدخل لمعرفة أين يمكن أن تقف ومن ستساند ومن ستقف ضده في هذه المباراة التي باتت شعبيتها عالميا تشابه جماهيرية كلاسيكو الأرض التقليدي في زمن ميسي برشلونة ورنالدو ريال مدريد.

وفي محاولة للفهم دعونا في البداية نقرأ ماذا يريد كل طرف؟

بالنسبة للغرب .. فالصراع يجري تحت شعار "من أجل الديمقراطية والحرية وحق الإنسان في التعبير عن نفسه ورأيه وأفكاره" .. في مقابل - والرؤية مازالت غربية - قوى الاستبداد والديكتاتورية وأصحاب الطموحات الإمبراطورية الساعين للتوسع على حساب الدول الأخرى للسيطرة على مقدراتها وخيراتها والمقصود في تلك الحالة روسيا وحلفاؤها في بيلا روسيا وجورجيا وكازخستان وغيرها من دول الاتحاد السوفيتي السابق.

أما من وجهة النظر الأخرى - وفي هذه الحالة الرؤية الروسية بالطبع - فالأمر ليس استبدادا أو طموحات إمبراطورية كما يروج لها الغرب.. بل هي تتعلق بالأمن القومي لموسكو وللدول المحيطة بها والتي تعتبرها أيضا جزءا من أمنها القومي في مواجهة غرب يرونه طامعا في الهيمنة على العالم بأسره وإضعاف أي قوى منافسة له تحت شعار نعشقه جميعا وهو "الحرية".

الغرب بشقيه الأوروبي والأميركي يسعى لضم هذه الدول السوفيتية السابقة لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي وهو ما يعني أن العالم الديمقراطي يريد التغلغل ليصبح على أبواب القوة القديمة واضعا روسيا في قفص داخل حدودها وفي حال وقوع صراع مع الغرب فستكون موسكو مجبرة على خوضه على تخومها وربما داخل حدودها فيما الغرب يدير الصراع من بعيد مستخدما وكلاءه الذين كانوا قبل عقود جزءا من إمبراطورية سوفيتية تتزعمها روسيا.

ولذلك فقد كانت ذريعة بوتين للقيام بعمليته العسكرية في أوكرانيا هي عدم قبوله انضمام كييف لحلف الناتو لأن ذلك يعني ببساطة نشر منظومات صاروخية للحلف الغربي قرب حدوده ولاعتبارات الأمن القومي وضع بوتين العالم أمام خيارين إما تراجعهم باختيارهم.. أو اضطراره للتوغل في أراضي أوكرانيا لوقف تقدمهم وإسقاط النظام الموالي للغرب في كييف وإعادة صياغة الوضع لدى تلك الجارة الحميمة بما يتوافق مع مصالحه.

الغرب كان يعلم جيدا أن بوتين لا يمزح فكان التهديد بمواجهة اقتصادية تضعفه لكن لا تمنعه من تنفيذ تهديده والمضي فيه لآخر مدى.. فهل ابتلع بوتين طعم حلف الأطلنطي؟ أم أن الناتو وأحلافه غامروا أو قامروا بمصير بلدين – روسيا وأوكرانيا – اللتين لم يعد أمامهما سوى تسليم الراية للغرب أو تحمل خسائر ضخمة قد تؤلم معسكر المعاقبين ولكنها يمكن أن تؤدي لخسائر مدمرة وكارثية يترتب عليها تركيع الدولتين المتحاربتين؟.

وفي خضم هذا الجدل الغربي الروسي حول ماهية الصراع وشعاره.. تأتي وجهة نظر ثالثة حول تسميته وتحديد طبيعته فهي تراه حربا بين نظام قائم بالفعل أحادي القطبية يحكم العالم ويهيمن عليه.. وبين قوتين أخريين صاعدتين وهما الصين وروسيا .. الأولى وهي بكين التي تسير ببطء ولكن بخطى ثابتة نحو توسيع نفوذها بأدوات العصر الحالية الناعمة سواء أكانت اقتصادية أم تكنولوجية فضلا عن الصناعية.

أما القوة الثانية التي هي محور حديثنا فتلجأ للسبل الخشنة التقليدية القديمة العسكرية.. وهدف كلتا القوتين هو إعادة صياغة النظام القائم بقواعده الحالية.. نحو نظام جديد يكون للدب والتنين فيه دور لا تسمح به حاليا واشنطن والناتو وحلفاؤهم.

الصراع الذي يحمل في طياته كل هذه الرؤى والتفسيرات، أعتقد أنه أيضا مفتوح على كل السيناريوهات في المستقبل القريب بما فيها حرب عالمية ثالثة وربما نووية ثانية.. وهو احتمال كان منذ أسابيع مستحيلا ولا يكاد يخطر ببال أحد.

ولكن وسط كل ذلك نسي من رموا طعم الحرب؟ أو من سيكونون في صفوف المواجهة الأولى وعلى رأسهم زيلينسكي وأنصاره ممن اختاروا تحدي روسيا مهما كان الثمن؟ أو بوتين الذين لجأ للوسائل الخشنة لحماية أمنه القومي؟ كل هؤلاء سعوا لتحقيق أهدافهم ولكنهم نسوا أو تناسوا أن هناك شعبا ما سوف يدفع ثمن هذا التطاحن سواء أكان عسكريا أو اقتصاديا.. شعب بأكمله إما يسعى للنزوح واللجوء أو هو بالفعل مشرد بين كلا الأمرين .. فضلا عن تدمير بنية بلاده التحتية والتي ربما ستحتاج لسنوات لإعادتها في ظل صراع لا نعلم مداه ومدته.

فالغرب لم يهتم كثيرا بما يمكن أن تفعله الآلة العسكرية الروسية بهذا الشعب ورمى ورقة الرهان بيد ولوح باليد الأخرى بعقوبات يعلم جيدا أنها لن تمنع الآلة العسكرية عن تنفيذ مهمة حماية الأمن القومي لموسكو .. منذ اللحظة الأولى لم نستمع لتصريح أميركي أو أوروبي يتناول بجدية مصير هذا الشعب إذا اضطر للفرار من جحيم الحرب.. كلها فقط وعود إما بالانضمام للناتو والاتحاد الأوروبي "بعد النصر الموعود".. أو وعود بعقاب المعتدي وكأننا نستجدي اعتداءه .. ولكن لم يتحرك أحد لاستيعاب المأساة الإنسانية المتوقعة.

الطرف الروسي كان واضحا لم يناور ولم يخادع بل هدد وحشد وأكد جديته في تهديده ولكن أحدًا لم يستمع إلى طلباته ولم يحاول التفاوض معه وكأن الطرف الآخر يستدرجه لهجمة سيكون شعب أوكرانيا هو فقط من سيئن من قسوتها. حتى الرئيس الأوكراني نفسه فلاديمير زيلينسكي الممثل الكوميدي أصلا والمتحول إلى زعيم سياسي بانتخابات شعبية نزيهة، لم يفكر في شعبه الذي انتخبه وكانت كل تصريحاته ديموجاجية عاطفية استجدائية ولم يفكر في استخدام السياسة والانسحاب التكتيكي أمام تهديد لم يكن محتملا بل مؤكدا.. ولم يفكر حتى في الحصول على ضمانات حقيقية ممن يدفعوه إلى المواجهة وكأنه كان يضع الأولوية للدخول في تحديه الشخصي بغض النظر عن التداعيات ومسؤولياته الشعبية المترتبة عليه.

بلد يضيع وأطفال يتشردون وأسر تتشتت وقتلى قد يصبحون بالملايين .، وكيان يزيد تعداده على ٤٤ مليونا يتحول إلى لا شيء .. من أجل الديمقراطية من وجهة نظر الغرب.. أو من أجل الأمن القومي من وجهة نظر الروس.. أو دولة لو بقت على قيد الحياة ستصبح عضوا في الناتو وجزءا من أوروبا كما يتمناها زيلنيسكي وأنصاره.. أو يتشكل النظام الجديد وتتحقق طموحات روسيا والصين.. الجميع اختلف في كل شيء ولكنه اتفق على معنى ضمنا وليس علنا.. تلميحا لا تصريحا.. "فلتذهب أوكرانيا إلى الجحيم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط