معركة بوتين مع المنصات الاجتماعية الأميركية

أحمد الشيخ
أحمد الشيخ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

أدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مبكرا أن الشبكات الاجتماعية الأميركية ستكون سلاحا ضده في أي معركة، فبنى استراتيجيته على استغلال ذلك السلاح لمصلحته قدر استطاعته وتوفير البدائل.

كما هو الحال في كل أزمة عالمية، وجدت إدارة موقع فيسبوك نفسها تحت ضغوط الجمهور والمستثمرين والإدارة الأميركية والحكومات الغربية، ولكن القرار هذه المرة كان سهلا، ففضل الموقع أن يخسر الحكومة الروسية ويكسب كل الحكومات الغربية، وأن يتنازل عن السوق الروسي الذي لا يلقى فيه شعبية كبيرة ويعزز موقعه في كل الأسواق الغربية.

فالموقع يستحوذ فقط على 39 بالمئة من مستخدمي الشبكات الاجتماعية في روسيا، بينما يفضل 78 بالمئة من المستخدمين موقع VK وهو شبكة اجتماعية روسية لا تكتفي بتقديم نفس خدمات فيسبوك وإنما تستخدم اللونين الأزرق والأبيض فتحول الموقع إلى نسخة من فيسبوك ولكن بشروط روسية وليست أميركية.

أعلنت شركة ميتا المالكة لفيسبوك أن الموقع (وليس كل منصات الشركة) فرض قيودا على محتوى المؤسسات الإعلامية الروسية في أوروبا، كما قلل انتشار المحتوى الصادر عن الإعلام الرسمي الروسي على مستوى العالم، وبالتالي تم تقليص فرص الحكومة الروسية في توصيل رسائلها إلى نحو ثلاثة مليارات شخص هم إجمالي مستخدمي الموقع حول العالم وربما روج لوجهة النظر الأميركية.

فموقع فيسبوك لديه قدرة حصرية على التحكم في طريقة عرض المحتوى بالنسبة للمستخدم، ويستطيع الموقع أن يقدم محتوى يخدم وجهة نظر محددة سلفا، كأن يركز على المكاسب العسكرية لجيش وخسائر الجيش الآخر فيقنع الرأي العام بصورة محددة عن مسار الحرب، وليس ضروريا أن تكون هذه الصورة متطابقة مع الحقيقة على أرض الواقع.

وقد خلصت التحقيقات في قضية كامبريدج أناليتكا إلى أن فيسبوك طبق هذه الآلية خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 فكان فيسبوك يعرض على عشرات الملايين من الناخبين الأميركيين محتوى يشيد بدونالد ترمب وينتقد هيلاري كلينتون، وكانت الطريقة متقدمة لدرجة أن المحتوى كان يفسر البرنامج الانتخابي لدونالد ترمب حسب توجهات القارئ، فأجندة ترمب بشأن الأسلحة الشخصية مثلا كان يتم تفسيرها في منشورات مختلفة وتقديمها للمستخدم حسب توجهه سواء كان مؤيدا لامتلاك الأسلحة الشخصية أو معارضا.

مارست الحكومة الروسية سياستها في استغلال الموقع الأميركي ومكافحته في الوقت ذاته، فأعلنت هيئة تنظيم الاتصالات في روسيا حظر موقع فيسبوك وبررت القرار بأنها رصدت 26 حالة تمييز من فيسبوك ضد الإعلام الروسي، ولكن الغريب أن الهيئة قالت إن هذه الوقائع تم تسجيلها في الفترة من أكتوبر 2020 حتى وقوع الحرب في أوكرانيا، وهو ما يعني أن الهيئة انتظرت نحو عام ونصف كي تعلن هذه الحصيلة وتتخذ قرارها.

تدرك روسيا أن قرار حظر فيسبوك لن يؤثر كثيرا في مشهد الشبكات الاجتماعية في روسيا، ولكنها تعمدت إصدار قرار الحظر لأسباب مختلفة، فموسكو تريد دائما أن تتصدر قراراتها عناوين الأخبار، وأفضل طريقة هي إصدار عقوبة ضد أكبر موقع اجتماعي في العالم واستدراج الموقع لإصدار رد فعل، فتشغل القصة العناوين الإخبارية مرتين.

ولأسباب مشابهة شمل قرار الحظر موقع تويتر، ويظل الموقع مؤثرا في روسيا حتى لو كان يحتل المركز الحادي عشر في قائمة الشبكات الاجتماعية في روسيا برصيد 18 بالمئة، فهو الوسيلة المفضلة للسياسيين والمؤسسات الكبرى والوسائل الإعلامية في نشر التعليقات والأخبار، وكانت موسكو قد اتهمت الموقع من قبل بتجاهل مطالب حذف محتوى محظور في روسيا، ويبدو أن إحصائيات شركة تويتر تؤيد وجهة النظر الروسية، فتقرير الشفافية الصادر في فبراير 2022 يقول إن الشركة تلقت نحو 16 ألف بلاغ من داخل روسيا بشأن تغريدات مسيئة خلال العام الماضي، ولكنها اتخذت إجراءات ضد نحو 10 بالمئة فقط من التغريدات.

ومن خلال حظر موقعي فيسبوك وتويتر، أرادت الحكومة الروسية أن توجه رسالة إلى المنصات الأميركية الأخرى سواء التابعة لشركة ميتا مثل موقع انستغرام الذي يتابعه 61 من المستخدمين الروس، وتطبيق واتساب الذي يستخدمه 75 بالمئة من رواد الإنترنت في روسيا، أو منصات شركة ألفابيت وفي مقدمتها موقع يوتيوب وهو المنصة الاجتماعية الأولى في روسيا بنسبة 85 بالمئة من المستخدمين، وموقع غوغل وإن كان لا يتصدر قائمة محركات البحث في روسيا بسبب وجود البديل الروسي يانديكس فهو محرك البحث الأشهر حول العالم.

وبالتزامن مع الرهان الروسي على البدائل المحلية تطرق البعض إلى إمكانية التعاون مع المنصات الصينية وفي مقدمتها تيك توك، ولكن لا يبدو تيك توك حليفا مثاليا للحكومة الروسية في مواجهة المنصات الأميركية، فتيك توك يأتي في المرتبة الثامنة بين المنصات الاجتماعية في روسيا، ويبلغ عدد مشتركيه في روسيا 36 مليونا من بين حوالي مليار شخص هم إجمالي مستخدميه حول العالم.

ولو كانت المنصة تجاهلت ضغوط الجمهور في بداية الأزمة ولم تتحرك ضد روسيا، فإنها لم تصمد طويلا، حيث أعلنت تقليص خدماتها في روسيا وأشارت المنصة إلى أن السبب هو الحاجة إلى تقييم الموقف والحفاظ على سلامة موظفيها في روسيا في ضوء قانون الأخبار الكاذبة الذي أقره البرلمان الروسي.

ويقول القانون الجديد إنه يتصدى لنشر معلومات مضللة عن الجيش الروسي ويعاقب المخالفين بالسجن لمدة تصل إلى 15 عاما. وتريد روسيا أن تلتزم وسائل الإعلام التقليدي والجديد بالمصطلحات الرسمية الروسية فتستخدم مصطلح "العملية العسكرية الخاصة" بدلا من "الحرب في أوكرانيا".

أما البيان الذي أعلن تقليص نشاط تيك توك في روسيا يبدأ بكلمة "الحرب في أوكرانيا" التي لا تعجب الحكومة الروسية ولكنه انتهى بإشارة إلى أن تيك توك لا تستبعد أن تعيد كامل أنشطتها إلى روسيا عندما تسمح الظروف.

ويلخص هذا البيان استراتيجية المنصات الاجتماعية سواء الصينية أو الأميركية، فهي مضطرة لاتخاذ قرارات غير حاسمة ضد روسيا ولا تمانع في العودة إلى السوق الروسي في أقرب فرصة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط