أوكرانيا التي كشفت ازدواجيتنا العربيّة
على نحو سريع ولافت، أصبحت حرب روسيا في أوكرانيا، لحظة عربية أخرى كاشفة عن مستويات مختلفة من التناقض والازدواجية، ورفض مواجهة الوقائع عبر الهروب الى نظريات المؤامرة المعتادة التي توفر ارتياحاً أخلاقياً وذهنياً سهلاً على حساب الحقيقة والمعرفة.
يمكن تفهم معظم الردود الرسمية العربية على الغزو الروسي في اتسامها عموماً بالحذر وابتعادها عن لغة الإدانة الصريحة والغاضبة، في آخر المطاف، الدول، بطبيعتها المؤسساتية، هي كائنات مصلحية أكثر منها أخلاقية، في علاقاتها الخارجية تحديداً. في هذا السياق هي محفزة بزيادة المنافع وتقليل الخسائر أو تجنبها، لأن التزاماتها القانونية الأساسية هي نحو مواطنيها، الذين يمثلون مصدر شرعيتها، لا مواطني الدول الأخرى، حتى مع بروز قيم إنسانية عالمية اتخذت طابع الإلزام الدولي في تأكيدها حداً أدنى من الحمايات القانونية للبشر في كل مكان، بغض النظر عن انتماءاتهم الوطنية أو الدولتية.
لكن من الصعب تفهم ردود أفعال نخب سياسية وثقافية عربية، ليست مقيدة باضطرارات المصلحة التي تقيد الدول، تصطف مع أو تبرر الاعتداء الروسي على أوكرانيا، باستخدام حزمة حجج تخلط على نحو دوغمائي وانتقائي وقائعَ التاريخ والجغرافيا والقانون.
من خلال هذا التوظيف الغائي للمعرفة (حيث تهيمن قيمة الهدف الذي يُراد بلوغه على القيمة المنطقية للحجج المؤدية إليه، وبالتالي تُرتّب الحجج لتقود إلى الهدف المطلوب)، تصبح روسيا "محاصرة" و"مضطرة" للقيام بغزو أوكرانيا التي تظهر في سياق هذا الاستخدام الإشكالي للمعرفة "متغولة" بالنية، ومجرد بيدق أحمق وضع نفسه في خدمة أقوياء آخرين (اميركا واوروبا الغربية) ومن ثم هو يدفع الآن ثمن تغوله وحمقه الذي لا يتناسب مع حجمه الضعيف وقدراته المحدودة!!
بغض النظر عن الجهل المعرفي المخجل والضعف المنطقي الواضح في مثل هذا التفكير، فإنه، في إطار الحرب الروسية - الأوكرانية، يخرق قيمتين أساسيتين في الثقافة السياسية، وحتى الشعبية العربية تَرَسختا على امتداد القرن العشرين.
القيمة الأولى هي الارتياب بالأقوياء الغرباء، أي القوى الكبرى في العالم، وربطها بالظلم والتجبر والقسوة. جزء من هذا الارتياب مرتبط بتاريخ المنطقة المتمثل بتقاسم الدولتين الأوربيتين الأقوى حينها، بريطانيا وفرنسا، المنطقة العربية التابعة للدولة العثمانية بعد خسارة الأخيرة الحربَ العالمية الأولى وسيطرتهما على المنطقة عبر منظومة الانتداب التي سمحت بمشاركة محلية محدودة نسبياً في الحكم، ومثّل تبنيها تخلياً عن وعودهما باحترام حق سكان المنطقة بتقرير المصير.
ورغم أن تجربة الانتداب انطوت على بعض الإيجابيات المهمة المتعلقة بالتحديث الإداري والسياسي، وعلى نحو أقل، التكنولوجي، فإن التثقيف السياسي العربي، رسمياً وشعبياً، اختصرها، على نحو مجحف غالباً، بالاستعمارية والظلم ونهب الموارد واستهداف الغرب للعرب. بهذه الطريقة استقرت صورة الغرب عربياً، مع بروز دعم أميركا لإسرائيل في الستينات، على أنه ظالم ومُستغِل ولا يمكن الوثوق به.
أما القيمة الثانية، وهي مرتبطة بالأولى، فهي منح الضعف بعداً أخلاقياً سامياً، فالضعيف هو المُستلب بفعل فاعلين ظالمين ومتعمدين، ومن ثم فهو يستحق التعاطف والمساعدة. العلاقة هنا ثنائية متعاكسة، إذ لا يحدث الضعف إلا كنتيجة طبيعية لتغوّل الظالم وانعدام الضمير الأخلاقي لديه، وليس بسبب الرفض أو العجز الداخلي للضعيف عن تطوير الذات والافتقار للرؤية والتقاعس عن بذل الجهد الجاد والمتواصل لتحقيق الأهداف الإيجابية.
لذلك يُعزى غالباً سبب التأخر الاقتصادي في العالم العربي الى سرقة الغرب للموارد العربية، أو طمعه المفترض بها الذي يقوده الى حياكة المؤامرات للحصول عليها، أو منع تمتع العرب بها، فيما يُحال فشل أنظمة الحكم العربية إما للعمالة المفترضة لهذه الأنظمة للغرب، أو محاصرة هذا الأخير واستهدافه الأنظمة "الوطنية" غير العميلة التي تتحدى الغرب، وتسعى الى بناء تجارب تنموية وسياسية متطورة.
كانت فلسطين هي العنوان العربي الأشد وضوحاً واستمراراً لمعنى هذه القيمة وانتشارها، فالفشل العربي الفادح بخصوصها ارتبط دوماً بتبني الغرب لإسرائيل وحمايته لها، وليس بالعوامل البنيوية الداخلية للضعف العربي المتعلقة بالاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي وضعف التخطيط وفقر الرؤية. كان اندلاع "الربيع العربي" في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أول رد فعل شعبي عربي حقيقي على هذا الضعف بوصفه نتاجاً عربياً لا إملاءً غربياً.
ضاعت هاتان القيمتان في تعاطي النخب المتعاطفة مع حرب روسيا في أوكرانيا. فروسيا، الضخمة جغرافياً والقوية عسكرياً على نحو لا يُقارن بجارتها الأوكرانية الأصغر والأضعف، تحظى بالتعاطف والدعم على أساس أنها هي المستهدفة والمجبرة على الدفاع عن نفسها، رغم أنها هي التي بدأت اعتداءً عسكرياً واسعاً وواضحاً ضد أوكرانيا أدانته كل دول العالم تقريباً. لأول مرة، منذ التعاطف العربي الواسع، نخبوياً وشعبياً، مع غزو صدام للكويت في 1990، نشهد تعاطفاً عربياً مع القوي في تغوله على الضعيف، وإن كان هذا التعاطف أقل في امتداده وشدته من التعاطف الذي حظي به الغزو العراقي قبل أكثر من ثلاثين عاماً.
في سياق هذا التعاطف العربي مع روسيا، تتراجع أوكرانيا في الضمير الأخلاقي للمتعاطفين مع روسيا، بوصفها أداةً للطعن الغربي في خاصرة روسيا المستهدفة دائماً.
من خلال قبولها بلعب هذا الدور "الخبيث" إما غروراً أو سذاجةً، تفقد أوكرانيا صفة الضعيف الذي يستحق التعاطف العربي المعتاد. يستند كل هذا التأويل الأخلاقي - السياسي الى قبول سهل بالسردية الروسية بخصوص النزاع مع أوكرانيا (تمدد حلف الناتو وتهديد الأمن القومي الروسي، وعائدية أوكرانيا التاريخية لروسيا الخ) مع أن أي تفحص دقيق سيكشف أن هذه السردية معبأة بمبالغات وأنصاف حقائق وأكاذيب لتبرير سياسات الهيمنة الروسية، الموثقة جيداً، نحو الدول التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق واستقلت عنه بعد تفككه في 1991.
يتغذى التعاطف العربي مع روسيا على عداء أيديولوجي تقليدي نحو الغرب، والولايات المتحدة الأميركية تحديداً، وعلى حنين ليس خفياً لدور روسي قديم يفهمه كثيرون في العالم العربي على أنه المَصد الوحيد المتيسر ضد "التغول" الغربي عربياً. ويمثل "محور المقاومة" الذي تقوده إيران الصدارة في مثل هذا التفكير، كما برز في تعاطفه الواضح مع روسيا الى حد رفع بعض أطرافه صور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
يبدو هذا الموقف الأكثر تناقضاً مع جوهر الفكرة التي يقوم عليها هذا المحور، ومنها استمد اسمه (المقاومة) وشرعيته الشعبية/الثورية وهي، بزعمه، مناهضة الاحتلال. في قصة أوكرانيا مع روسيا، يدعم "محور المقاومة" الاحتلال ويتخلى عن "المستضعفين" الذين كان يفاخر هو دائماً بنصرتهم ويدعم حقهم بالمقاومة.
نقلا عن النهار