الأزمة الأوكرانية.. ما بعد المفاوضات الصفرية
هل كانت مفاجأة نتيجة أعمال المفاوضات الروسية الأوكرانية التي جرت في أنطاليا، صباح الخميس العاشر من مارس الجاري؟
انتهت المفاوضات، دون اتفاق ملزم بين الطرفين، وتاليا تبادل الجانبان الاتهامات بشأن تعقيد مسارات الحل.
ذهب لافروف وفي معيته لائحة من المطالب التعجيزية، والتي كان من الطبيعي أن يرفضها ديمتري كوليبا، وزير خارجية أوكرانيا، لا سيما أنها جميعا تبدو ساحقة ماحقة لمشهد الدولة الأوكرانية الويستفالية المستقلة.
طلبات الروس من أوكرانيا، تبدأ من عند تطهير الدولة ممن تصفهم موسكو بـ"النازيين الجدد"، وهو مصطلح واسع، لزج، ومطاط، غير واضح الملامح أو المعالم.
عطفا على ذلك نزع أسلحة أوكرانيا، والاعتراف بإقليم الدونباس، والإقرار بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، وأخيرا وليس آخرا، تغيير الدستور الأوكراني، ووضع بنود واضحة تقطع بعدم انضمام أوكرانيا مستقبلا إلى أي حلف من الأحلاف السياسية أو العسكرية.
يعن للمرء أن يتساءل: أهذه بنود حوارية، أم معاهدة استسلام تمليها روسيا على الأوكرانيين؟
على جانب السيد دوكوليبا، بدت المطالب مثيرة للشفقة، فالرجل يطالب القيصر بأن يسحب جنوده من كل المناطق التي انتشر فيها منذ يوم 24 فبراير شباط الماضي، وأن يوقف إطلاق النيران في الحال، عطفا على تحمله كافة الأكلاف الناجمة عن الأزمات الإنسانية التي ولدتها الأعمال العسكرية، وربما لاحقا المطالبة بمائة مليار دولار، تمثل الخسائر الأولية وضعفها أو أكثر كتعويضات وهذه قصة أخرى.
تراجعت حظوظ الدبلوماسية مع آخر خيط من ضوء نهار الخميس، لا سيما بعد الاتهامات التي وجهها وزير الخارجية الروسي، الدبلوماسي الذي يمارس عمله وعلى حد تندر بوتين، وكأنه جنرال، للمحاور الغربية، والتي ترى موسكو أنها تدفع الجميع نحو الهاوية.
ما جرى في أنطاليا في واقع الأمر، لم يكن تفاوضا حول إنهاء الأزمة الرئيسة التي ولدت هذا الصراع، وإنما نقاشات جرت على هامش الأزمة، ومناقشات ركزت على الجانب الإنساني ووقف إطلاق النار لتهيئة ميدان المعركة لمزيد من الأعمال الإنسانية، خاصة حماية المدنيين.
المعذبون في أوكرانيا، إن جاز التعبير، يبدو وكأنهم في وضع صعب بين مطرقة روسيا التي ترى أن أوكرانيا تستخدمهم كدروع بشرية وستارا دعائيا لتشويه صورة القيصر في أعين العالم، وبين الأخيرة التي تدفع بتعرض مدنييها ومرضاها في المشافي إلى قصف يخرق كافة الاتفاقيات الدولية، خاصة اتفاقية جنيف، وأوضاع المدنيين في زمن الحرب.
يتساءل البعض عشية الخميس هل أخفقت الوساطة التركية في تقريب وجهات النظر بين موسكو وكييف؟
غالب الأمر أن المشهد أعقد بكثير من أن تقوم به الدبلوماسية التركية، وهي المعروفة بالغزل على المتناقضات من جهة، والمراوغة إلى أبعد حد ومد من جهة ثانية، وكي لا تغضب الإمبراطور الأميركي، وحتى لا تتعرض لعصف القيصر صاحب اليد المميتة في الحال أو الاستقبال.
هل ستمضي روسيا إذن في سيناريو عسكرة المشهد الأوكراني ، خاصة أمام العجز الواضح والفاضح للقوى الغربية، بدءا من واشنطن رأس الناتو، والتي يبدو أنها تراجعت عن فكرة تزويد بولندا بطائرات حديثة لتجد طريقها إلى أوكرانيا، وصولا إلى ألمانيا التي أقرت صراحة لاحقا بأنه لا غنى عن النفط والغاز الروسيين، أم أن هناك بوادر تغير في المشهد الروس ، تشي بأن سيد الكرملين قد اكتشف أبعاد الأزمة، ولهذا يحاول الفرار من الفخ، وقبل أن يستفحل المستنقع الأوكراني ليعيد السيرة الأولى للاتحاد السوفيتي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي؟
لا يبدو الأفق الروسي واضحا، بل يكاد يظن المرء أن هناك توزيعا ما للأدوار بين وزير الخارجية والرئيس.
لافروف وبعد اجتماعه مع كوليبا، قال إنه يبدو أن روسيا ليست في وضع يسمح لها في الوقت الحالي بإقرار وقف إطلاق النار بعد غزو أوكرانيا. لكن وعلى جانب آخر، يبدو من توجهات الرئيس بوتين أنه لم يعد عازما على تغيير النظام في كييف، والعهدة هنا على الراوي، صحيفة النيويورك تايمز الأميركية، والتي وصفت المشهد بالتحول الدقيق، لا سيما في ظل البحث عن وسطاء ومفاوضين بعضهم ظاهر للعيان والآخرون من وراء الستار.
هل ستغير موسكو عما قريب من سقف تفاوضها مع أوكرانيا ليصل الأمر إلى تكريس "الحياد"، والاعتراف بالمناطق التي تحتلها روسيا، بعد تأكيد موسكو نهار الأربعاء 9 مارس أنها لا تسعى وراء الإطاحة بالحكومة الأوكرانية؟
يخشى البعض أن يكون الأمر مجرد مناورة جديدة من القيصر والذي لا يعلم أحد ما الذي يدور في ذهنه، ولا ماهية خطواته القادمة، وهل سيناور ويداور طويلا عبر مفاوضات صفرية تقود إلى مزيد من الحرب، لا السلام، أم أنه بالفعل بدأ يستشعر ضائقة ما، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي باتت تحاصره من جميع الجهات الغربية؟
ليس سرا أن هناك من يتوجس خيفة من أن تكون شهية القيصر مفتوحة على ما وراء أوكرانيا من دول شرق أوربا، فيما الهلع الأكبر أن يعيد التاريخ نفسه، بمعنى أن يقدم بوتين في طريقه لإحياء إمبراطوريته السلافية، على ما فعله هتلر سنة 1938 حين احتل التشيك، ثم أعلن الحرب على بولندا وفرنسا وبقية أوروبا، وساعتها لن تكون الأزمة خاصة بأوكرانيا، وإنما يضحى من المؤكد أنها حرب عالمية كونية غير واضحة المعالم.
هل من خلاصة؟
الشيء الوحيد المؤكد أن أمن وسلام العالم في خطر إلى حين إشعار آخر.