الشراكة المصرية ــ السعودية ركيزة قوة العرب

علاء ثابت
علاء ثابت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الرياض جاءت بالغة الأهمية فى هذا التوقيت، الذى يشهد الكثير من الأحداث والأزمات الإقليمية والدولية، ويحتاج إلى تبادل وجهات النظر، وتوحيد المواقف حيال تلك الأحداث، وكان اللقاء بين الرئيس عبدالفتاح السيسى وأخيه العاهل السعودى سلمان بن عبدالعزيز وولى العهد محمد بن سلمان قد اتسم بروح الأخوة والمودة والصراحة، وتناول معظم القضايا التى تهم المنطقة، من العراق إلى اليمن وسوريا ولبنان والسودان وليبيا والمغرب العربى، وبالطبع كانت القضية الفلسطينية على رأس المناقشات، وكذلك قضية سد النهضة.

وعكس البيان المشترك التوافق الكبير فى الآراء، والذى رأيت أن تركيزه على أهمية الشراكة بين البلدين هو مفتاح الحل للكثير من القضايا الثنائية والعربية، فالدولتان الكبريان فى المنطقة عندما يتم تحقيق التعاون الإستراتيجى بينهما، من خلال مشروعات اقتصادية مشتركة، من بينها الربط الكهربائى والصناعات الحربية والاستثمارات والسياحة والتجارة والثقافة والفنون، وغيرها من المجالات، ستكون ركيزة لتجمع عربى أوسع، ونموذجا جاهزا للتقدم والتطوير، لتصل إلى ما نصبو إليه بتوحد الكلمة العربية، والمواقف الموحدة على أرضية من التنمية الشاملة، والتطور الاقتصادى والعلمى، فما يتوافر لنا من مقومات يتيح تطوير الكثير جدا من مجالات التميز، ويصبح لدينا أرضية صلبة، نصنع معظم ما نحتاجه، خاصة من السلع والخدمات الضرورية لأمننا القومى، وتأتى الطاقة والتسليح والتصنيع والبحوث العلمية على رأس تلك المجالات التى يمكننا أن نحقق فيها طفرة هائلة، ونستغنى عن استيرادها من أى مكان، فتكون صناعتنا المحلية بأيدى شبابنا وعقول علمائنا خطوة كبيرة ومهمة فى عوامل القوة، مما يمنحنا قدرة أكبر على التأثير فى الأحداث الإقليمية والدولية، بما يجعلها تراعى مصالحنا، وتوفر احتياجاتنا، ولا نقبل أى شروط أو ضغوط من جهات خارجية قد تتعارض مع مصالحنا وتوجهاتنا.

تأملت خريطة المنطقة العربية، وما تزخر به من خلافات بين الأشقاء، والتى بلغت حد العداء فى بعض الأحيان، ووقف العربى فى مواجهة أخيه، يتبادلان الاتهامات، وتصل إلى الاشتباكات، وتساءلت عن السبب الذى أوصلنا إلى تلك الحالة، حتى إننا لم نعد قادرين على ترتيب لقاء يجمع كل القادة العرب، مثلما كان الوضع فى السابق، حيث كان غياب أحد القادة العرب مثار دهشة وتساؤل، لكنه الآن أصبح مألوفا، واستعرضت فى ذهنى مسيرة العمل العربى المشترك، والذى كان فى حالة صعود مستمر منذ حصلت الدول العربية على استقلالها، وكان المتوقع أن تزداد تماسكا، وتوقعنا أن تكون الوحدة العربية واقعا يمكن أن يتحقق فى عدة سنوات، وأن ما يجمع العرب كثيرٌ جدا، وفى حالة تكامله وتجمعه سيكون نقطة تحول تاريخية ستغير مجرى الأحداث، وتجعل من العرب قوة عالمية لا يستهان بها، ويمكن أن يكون هذا السبب وراء الكثير من دوافع إحداث الشقاق والخلافات، ومرت المسيرة العربية بفترة عصيبة منذ أواخر السبعينيات، وأصبح ما يختلفون عليه أكثر فأكثر، وتفرق العرب، وبالتالى ضعفت شوكتهم، ولهذا ذهبت كل دولة لتقيم تحالفات مع دول إقليمية أو دولية بشكل منفرد، بما يحقق مصلحة آنية لهذه الدولة أو تلك، لينفرط التجمع العربى، وتتفرق به السبل، ويمضى كل فى طريق، ومع كل افتراق تزداد الخلافات، وتصبح المنطقة العربية عرضة للتجاذبات والاستقطاب الدولى والإقليمى، ونتحول إلى ساحة تستورد خلافات المنطقة والعالم، وكلما زاد الانفراط اتسعت الخلافات حتى تحولت إلى نزاعات، وشاهدنا جولات من الحروب والفتن لم نكن نتخيلها، خاصة الجيل الذى ظل يحلم بالوحدة العربية، ويرى أن ما بيننا أكثر بكثير مما بين دول الاتحاد الأوروبى، التى تتحدث بعدد كبير من اللغات، ولها أديان ومعتقدات مختلفة، وتاريخ بلدانه مليء بالصراعات والحروب، التى بلغت حد حدوث حربين عالميتين، ومع ذلك رأوا أن من مصلحتهم أن يتوحدوا، فأقاموا سوقا مشتركة، كانت ركيزة مهمة للوحدة، وأصدروا عملة موحدة، وحققوا خطوات لم يحققها العرب الذين هم فى أشد الحاجة إلى الوحدة، وبينهم إرث مشترك واحد والكثير من أسس التقارب والتوحد.

وأعتقد أننا أمام فصل مهم من القدرة على تحقيق خطوات مهمة فى سبيل جمع الشمل العربى، وأولى هذه الخطوات الشراكة الإستراتيجية بين الدولتين الكبريين مصر والسعودية، لأنها تقوم على أسس وتخطيط سليمين، ولا تخاطب المشاعر فقط، إنما تعمل وفق خطط مدروسة، ومصالح مشتركة، ومعايير علمية، وهذا أحد أهم أسس النجاح، فالمشروعات الكثيرة المقرر إنجازها بالتعاون المشترك بين البلدين كبيرة وواعدة، وتحقق نقلة كبيرة فى العلاقة بين البلدين، وعندئذ تأتى الخطوة المهمة بأن يتم إذابة انعدام الثقة بين بعض البلدان العربية، لأن الثقة عنصر مهم فى إعادة الشمل العربى، وأن يشعر كل طرف أن ما يحققه شقيقه يصب فى صالحه، ويقوى من مكانته، ويعزز فرصه فى التقدم، بينما التشكك وفقدان الثقة يدفعان إلى محاولات التخريب، أو عدم الحماس لأى عمل جماعى حتى لو كان يحقق مصلحة مشتركة، وهنا يأتى دور الدولتين الكبريين والأكثر تأثيرا ومصداقية لتؤديا هذا الدور التاريخى فى جمع الشمل العربى، من خلال مشروعات أوسع، وعلاقة تآخٍ تقوم على الثقة، وتأخذ فى اعتبارها مصالح الجميع، ويشعر كل عربى بالفخر عند تحقيق إنجاز عربى فى أى مجال، وهذا ما أتفاءل بشأنه بعد تلك الزيارة المهمة فى توقيتها وأهدافها، لتكون بحق خطوة واسعة وركيزة أساسية لإعادة لم الشمل على أسس من الحداثة والتخطيط والمصلحة المشتركة، التى تحقق النماء لكل شعوب المنطقة.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط