بيئة الجامعة الأميركية وتأثيرها في الدكتور الخطيب
لقد كان لبيئة الجامعة الأميركية الأثر الكبير في نشأة الفكر السياسي للدكتور الخطيب. وكونها في بيروت، كان أهم من كونها جامعة أميركية، فهناك أكثر من جامعة أميركية في العالم العربي. ومن ناحية أكاديمية، فإن الجامعة الأميركية في القاهرة، خاصة في السنوات الأخيرة أصبحت تضاهي الجامعة الأميركية في بيروت أكاديميا، لكن بيئة الحرية التي توفرها الجامعة الأميركية في بيروت لا تضاهيها أي جامعة في الوطن العربي. وعندما نفكر بتاريخ «حركة القوميين العرب» التي أسسها الدكتور الخطيب مع أصدقائه في الجامعة، فلا بد من التطرق إلى تلك البيئة السياسية والاجتماعية التي نشأت فيها هذه الحركة. وفي هذا المجال، يقول الدكتور قسطنطين زريق - الأب الروحي للحركة، وإن لم يشارك في تأسيسها - في كتابه «نحن والتاريخ»: «إن التفكير التاريخي يحرص على أن يضع الإنسان في حيزه الاجتماعي، وأن يدرك العلاقات التي تربطه بمن حوله، وأثر العلاقات في تكوين معتقداته وأساليب فكره وعمله، فالإنسان كما قال أرسطو حيوان ناطق، وهو بتعريف آخر لأرسطو حيوان سياسي اجتماعي».
هذا وعندما أسس دانيال بلس الجامعة، لم يكن من أهدافه أن تكون الجامعة بيئة اجتماعية تشجع الطلاب على تأسيس فكر سياسي مناهض لسياسة الولايات المتحدة، فقد أسسها عام 1866 تحت اسم: «الكلية السورية البروتستانتية» كمدرسة تبشيرية خلال الحكم العثماني لسوريا، وقليل من الناس يعرفون أن لغة الدراسة في الجامعة كانت في سنواتها الأولى اللغة العربية. فقد كان الرواد من أساتذة الجامعة الأميركيين يتعلمون اللغة العربية ليعلموا الطلاب الطب والصيدلة. واستمرت الجامعة تعلم جميع المواد باللغة العربية إلى عام 1887. وكثيرا ما يُردد أن دانييل بلس أسس جامعتين في لبنان: الجامعة الأميركية، ثم الجامعة اليسوعية أو ما يطلق عليها جامعة القديس يوسف، التي أُسست من قبل اليسوعيين (الكاثوليك) الفرنسيين لوضع حد لانتشار المسيحية الإنجيلية البروتستانتية التي أدخلها دانيال بلس إلى لبنان.
والبيئة لا تعني المكان والمجتمع فقط، وإنما الحدث السياسي المؤثر في عقول وعواطف الناس. فالدكتور الخطيب ومنذ مغادرته الكويت في عام 1942، عاش في جو سياسي مضطرب، فقد وصل إلى لبنان خلال الحرب العالمية الثانية، ودخل الجامعة بعد أن أنهى الثانوية العامة في مدرسة ملاصقة للجامعة يخطئ الكثير ظانين أنها تابعة لها، لكن الحقيقة أنه ليس هناك أي علاقة لا إدارية أو أكاديمية بالجامعة. وفي الجامعة، وفي كلية الطب بالتحديد، التقى الدكتور الخطيب بطالبين مسيحيين فلسطينيين، أحدهما من مدينة صفد في شمال فلسطين، والثاني من اللد العاصمة التجارية لفلسطين، الأول وديع حداد، ووالده كان معلما، والثاني جورج حبش، وكلاهما من طبقة غنية نسبيا، بل إن الثاني كان والده من تجار اللد المهمين. وفي حرم الجامعة، التقى هؤلاء الطلاب الثلاثة من كلية الطب بهاني الهندي، السوري المولود في العراق لأب كان مشاركا في الثورة العربية ضد الأتراك أولا، ثم ضد الفرنسيين، وحامد الجبوري من قبيلة الجبور في العراق. هؤلاء الخمسة ما كانوا سيؤسسون حركة سياسية لولا صدمة هزيمة العرب في حرب 1948.
وقد بدأ نشاطهم بالعمل الإنساني قبل العمل السياسي، فكانوا يذهبون إلى حدود فلسطين مع لبنان لاستقبال ومساعدة اللاجئين الفلسطينيين الذين أصبح منهم أهل وديع حداد وجورج حبش. بل إن الدكتور الخطيب وأصدقاءه كان لهم دور في جمع التبرعات ليتمكن كل من وديع حداد وجورج حبش – أبناء الطبقة الفلسطينية الميسورة – من إكمال دراستهم! والتنظيم السياسي الذي كونوه كان ابن «النكبة». وللعلم، فإن وصف ما حدث بالنكبة كان وصفا استحدثه الدكتور قسطنطين زريق من خلال عنوان كتابه: «معنى النكبة» الذي نشره في عام 1948، أي سنة الهزيمة.
ويروي صقر أبو فخر في «العربي الجديد» بتاريخ 10 مارس أنه انضم إلى هذه المجموعة كل من صالح شبل من فلسطين، وحمد الفرحان من الأردن، وثابت المهاينة من سوريا، واقر الثمانية تأسيس منظمة الشباب القومي العربي عام 1951، التي تحولت إلى «حركة القوميين العرب» عام 1958. هذا ويلاحظ أن «حركة القوميين العرب» لم تدخل لعبة الانقلابات العسكرية التي سُوِّقت إلى الشارع بأنها ثورات. وقد يرجع ذلك إلى أنه لم يكن أي من مؤسسيها عسكريا، حتى إن الحركة لم ترحب بانقلاب أو ثورة 1952 في مصر، ولم تدعمه إلا بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.
والدكتور الخطيب لم يبقَ أسيرا لتجربته في الجامعة الأميركية في بيروت، صحيح أنها تجربته الأهم في وعيه السياسي، لكنه شارك في الحراك السياسي الذي عم الكويت بعد تولي المغفور له عبدالله السالم الصباح الحكم في الكويت عام 1950، وتبوأ منصب نائب رئيس المجلس التأسيسي عام 1962 الذي سن دستور الكويت. كما أن الدكتور الخطيب نفسه لم يكن راضيا عن بدايات وعيه السياسي، بل كان ناقدا لها. ففي هذا المجال، يذكر صقر أبو فخر أن الخطيب «انتقد بجرأة الفكر القومي العربي، وذلك لأن كثيرا منه كان عنصريا فاشيا متعاليا يحتقر الطبقات الشعبية ويضمر العداء للأقليات غير العربية، ما سبب النفور منه وأدى التجاء تلك الفئات إلى الأحزاب الشيوعية».
وأرى أن الانفعالات العاطفية التي تحولت إلى أحزاب سياسية بعد 1948 وبعد 1967، غطت على فكر أعمق لرجال، مثل قسطنطين زريق، ونديم البيطار، فالأول كان مؤسسا في جمعية العروة الوثقى التي أُسست في دمشق عام 1920 ثم انتقلت إلى الجامعة الأميركية في بيروت. ويذكر الدكتور الخطيب في كتابه «الكويت: من الإمارة إلى الدولة» أن التاجر الكويتي يوسف أحمد الغانم كان عضوا سريا في جمعية العروة الوثقى، حيث كان يعمل مع د. قسطنطين زريق في الجمعية لتشكيل رؤية سياسية تجمع بين العرب، والذي يوضح مدى الترابط بين النخبة الكويتية والقيادات الفكرية العربية في سوريا آنذاك. وما كان يميز الدكتور قسطنطين زريق أنه - وهو المسيحي - يركز في طرحه القومي العربي على الترابط العضوي القوي بين العروبة والإسلام، هذه الحقيقة التي أهملتها الحركات القومية والأحزاب السياسية اليسارية التي غمرت الفضاء السياسي بعد 1948. لقد ظل الدكتور الخطيب مخلصا لمثاليته التي استمدها من تاريخ عائلته وتاريخ الكويت في النصف الأول من القرن العشرين. والجامعة الأميركية ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعيه السياسي، لكن الدكتور الخطيب لو كان قد درس في دمشق أو بغداد أو القاهرة أو لندن، لكان قد عاد إلى الكويت حاملا فكرا ثوريا تحرريا. فالبذرة بدأت تنمو في الكويت، وكانت ستثمر في جميع الأحوال بعد عودتها.
* نقلا عن " القبس "