.
.
.
.

هل ترغب إيران في عودة العلاقات العربية السورية؟

دمشق "حيوية" لمصالح طهران وتعتبر أهم أعمدة ما يسمى "محور المقاومة"

هدى رؤوف

نشر في: آخر تحديث:

قال وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان، إن بلاده "ترحب بتطوير العلاقات بين سوريا وبعض الدول العربية". التصريح الذي جاء خلال زيارة لدمشق في سياق الحرب في أوكرانيا، التي تخوضها روسيا، حليف سوريا وإيران، يتزامن أيضاً مع المراحل النهائية لإعادة إحياء الاتفاق النووي بين طهران والخمسة الكبار، فضلاً عن زيارة بشار الأسد لدولة الإمارات العربية المتحدة، وإعادة تطبيع العلاقات مع الدول العربية.

السؤال هنا: هل يمكن أن يشكل تطبيع العلاقات بين سوريا والدول العربية تحدياً لإيران؟ تكمن الاجابة عن هذا السؤال في التعرف إلى طبيعة العلاقات بين سوريا وإيران في الثلاثين سنة الأخيرة. فقد شكل انحياز سوريا إلى جانب إيران في أثناء الحرب الإيرانية- العراقية، عاملاً مساعداً لتطوير العلاقة بين البلدين، ومع ذلك لم تكن العلاقات السورية- الإيرانية في الثلاثين سنة الأخيرة خالية من التوتر والمنافسة، فقد كانت هناك قضايا خلافية بينهما، لكن سرعان ما يتمكن الطرفان من احتوائها.

وقد عززت عوامل عدة التقارب السوري- الإيراني منذ نشأة إيران، ومنها طبيعة النظام السوري، الذي تحكمه أقلية علوية، فسوريا ذات غالبية سنية، لكن لدى الإيرانيين الشيعة موقفاً أكثر تسامحاً تجاه العلويين والتنافس الأيديولوجي والإقليمي على قيادة العالم العربي بين النظامين البعثي السوري والعراقي، والرغبة السورية في تعويض تأثير معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية عام 1977. فعندما وقعت الثورة الإيرانية، كانت سوريا تشعر بأنها معرضة لتهديد الجيش الإسرائيلي، ورأت في تحالفها مع إيران وسيلة لتصحيح عدم التوازن، الذي خلقته المعاهدة. إضافة إلى توافر المنافع الاقتصادية في شكل اتفاقات توريد النفط، والاستثمار، والعائدات من السياح الإيرانيين. كما كان من المهم لإيران بعد الحرب مع العراق الخروج من العزلة الدولية، بخاصة أن حرب الثماني سنوات صورت وكأنها حرب ضد كل الدول العربية المحيطة بها، لذا كان على إيران فتح علاقات مع سوريا.

فسوريا حيوية للمصالح الاستراتيجية لإيران في الشرق الأوسط، ولطالما كانت أقرب حليف لها. لقد أتاح نظام الأسد وصول إيران للشرق الأوسط ووكلائها الإقليميين، بما في ذلك "حزب الله"، و"حماس"، و"الجهاد الإسلامي الفلسطيني"، ما سمح لإيران نقل الأشخاص والأسلحة والمال إلى هذه الجماعات عبر الأراضي السورية.

كما قدمت إيران الدعم لبرامج الأسلحة الكيماوية السورية، بما في ذلك دعم العلماء الإيرانيين، وتوريد المعدات والكيماويات، والتدريب الفني. لقد كانت سوريا شريك إيران الاستراتيجي في ردع إسرائيل من مهاجمة وكلائها أو برنامجها النووي. كما احتلت سوريا جيوسياسياً مكانة محورية في مشروع إيران نحو الهيمنة الإقليمية عبر الإحياء الشيعي، فعبر سوريا تضمن إيران استمرار تأثيرها في محور سوريا لبنان العراق تحت قيادتها كقوة إقليمية كبرى مؤثرة في الشرق الأوسط.

ويمكن القول إن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين قامت متأثرة بالأوضاع الإقليمية وتداعياتها على كل منهما، ومن جهة أخرى تأثرت بعلاقة كل منهما بالأطراف الإقليمية والدولية. فالتطورات الإقليمية في المنطقة منذ أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها، من الحرب الأميركية على الإرهاب، والغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، وانتهاج الولايات المتحدة سياسة لتغيير النظام في سوريا وإيران، كل ما سبق عزز علاقات البلدين، وقد ظهرت مؤشرات تلك العلاقة في الزيارات الرسمية، والعلاقات الاقتصادية، وتشكيل ما عرف حينذاك بمحور الممانعة أو المقاومة، الذي قوامه العلاقة بين سوريا وإيران وحزب الله.

وزاد حجم التحالف السوري- الإيراني بعد الحرب السورية، فكان لإيران دور كبير في سوريا منذ 2011، حيث تدخلت في الحرب الأهلية منذ بدايتها، واستثمرت طاقات كبيرة في دعم نظام بشار الأسد، فسوريا هي حجر الزاوية في استراتيجية إيران الإقليمية، التي تهدف إلى ضمان "محور المقاومة" في المنطقة لمواجهة جيرانها الإقليميين والقوى الدولية، لذا سعت إيران إلى الحفاظ على مصالحها في سوريا من خلال العمل على ضمان إبقاء الأسد في السلطة على الرغم من أيديولوجيته العلمانية، وذلك لعدة أسباب منها، كونه الحليف الأقرب لإيران، كما أن التعاون مع سوريا ضروري لتسليح وحماية حلفاء إيران الإقليميين، ناهيك عن خشية إيران وصول أي من الجماعات السنية المعادية لإيران للسلطة.

أما ما تشهده التطورات أخيراً من التعامل مع سوريا، والتوجه نحو تطبيع العلاقات، إنما يرجع لعدة أسباب، منها احتواء الإرهاب في المنطقة، الذي تصاعد مع الحرب السورية، السبب الآخر روسيا، التي ترغب في إعادة العلاقات العربية مع بشار الأسد، لا سيما مع تزايد العلاقات العربية- الروسية، في ظل تواجد الأخيرة بالمنطقة في الوقت الذي تنسحب منه الولايات المتحدة، وأخيراً محاولة دول المنطقة التعامل مع الأزمات الإقليمية بمقاربات جديدة، حتى لو تتعارض مع التوجهات الأميركية، بخاصة في ظل سياسة واشنطن تجاه إيران، التي لا تراعي مصالح حلفائها الإقليميين.

وحيث أن لدى كل من سوريا والدول العربية أسباباً اقتصادية لتحسين العلاقات، فسوف تتجه الأمور إلى مزيد من الانفتاح، وذلك بالنظر إلى أن علاقات دمشق الاقتصادية مع روسيا وبيلاروس تعاني منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.

ولكن على الرغم من تصريح وزير الخارجية الإيراني بشأن انفتاح الدول العربية على سوريا، إلا أن إيران لن تكون مرحبة بمثل هذا التقارب، حيث تعتبر سوريا أهم أعمدة ما يسمى محور المقاومة، كما أن سوريا تعد فرصة اقتصادية لإيران، وهو ما لن ترضى أن تنافسها فيه الدول العربية.

* نقلا عن " اندبندت عربية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة