تكريم المرأة يبدأ بتصحيح صورتها

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

شهر مارس هو شهر المرأة بامتياز، ففيه نحتفى بالنساء مرتين، أولاهما لحلول ذكرى يوم المرأة العالمى فى اليوم الثامن من الشهر، وثانيتهما لحلول عيد الأم فى اليوم الـ21، ورغم الاهتمام الكبير بالاحتفالين، والجهود الضخمة التى تُبذل على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية لدعم المرأة ومناصرة قضاياها، فإن الطريق ما زال طويلاً نحو تمكين المرأة وتعزيز صورتها وتقديمها على النحو اللائق بها فى المجال العام.

والواقع أن قضية المرأة وصورتها ومكانتها تظل إشكالية عصية على الحل، فمنذ انطلقت الجهود من أجل تمكينها وتعزيز وجودها المجتمعى على نحو عادل ومتكافئ، لا تكف الحوادث المناوئة عن كبح النجاح المأمول، خصوصاً فى ظل منظومات قيمية تقليدية ما زالت ترى فى المرأة كياناً «أدنى» وتُعيّن دورها الاجتماعى فى خانة «الخدمة والمتعة والإنجاب».

وعلى عكس ما يعتقد كثيرون، فإن هذه المشكلة لا تقع فى بلدان الشرق فقط، ولا تقتصر على المجتمعات التقليدية وحدها، ولكنها تمتد لتشمل بلداناً متقدمة ولديها أفضل أنظمة الدعم الاجتماعى، سواء فى أوروبا أو أمريكا الشمالية أو الشرق الأقصى.

سيمكن التماس موقع المرأة الاجتماعى ومكانتها كما تعكسها الصور الرائجة على المستوى العمومى من خلال وسائل الإعلام بطبيعة الحال، وضمن هذا الإطار بالذات ستعطينا الإعلانات التجارية قدرة تحليلية كبيرة على رصد الطريقة التى ينظر بها المجتمع إلى المرأة، وما ينسبه لها من صفات وأدوار تمنحها حقها ووضعها اللائق، أو تخصم من رصيدها وتحط من مكانتها.

وعلى سبيل المثال، ففى دولة الأردن الشقيقة، ثارت ضجة كبيرة فى الأسبوع الماضى، الذى ترافق مع الاحتفال بعيد الأم، بسبب إعلان تجارى لشركة لإنتاج الأرز استخدم شعاراً على النحو التالى: «باستخدام منتجنا.. بنوعدك ما تطلقى» (أى نتعهد لك بعدم إقدام زوجك على طلاقك إذا استخدمت الأرز الذى يحمل تلك العلامة التجارية).

وقد أدى نشر هذا الإعلان إلى اعتراضات وانتقادات كبيرة من جمعيات نسوية ومنظمات مجتمع مدنى وقطاعات من مستخدمى «السوشيال ميديا»، بداعى أنه يحصر مسئولية المرأة ودورها فى «الطبخ الجيد» من جانب، ويرهن مصير زواجها برضا زوجها عن طبخها من جانب آخر.

لا يحدث هذا فى بلداننا العربية فقط، فقد أدى نشر إعلان آخر فى فرنسا قبل ثلاثة أعوام إلى ضجة وانتقادات مماثلة، حينما نشرت شركة أوروبية شهيرة لصناعة السيارات إعلاناً لإحدى سياراتها من طراز الدفع الرباعى، تحت شعار «افعل ما بوسعك ليكون عشيق زوجتك هو أنت».

ينطوى هذا الإعلان بالطبع على مقاربة سخيفة وجارحة ومسيئة إلى أقصى درجة للمرأة وصورتها ودوافعها السلوكية، إذ يفترض أصحاب الإعلان أن شراء سيارة فاخرة سيكون عاصماً للمرأة من الخيانة، وأن سبب بقائها مخلصة لمؤسسة الزواج يتعلق فقط بالاعتبارات المادية والقدرة الشرائية للزوج.

وفى العام 2017 وقع حادث آخر مشابه فى الصين، حين نشرت إحدى شركات السيارات الألمانية إعلاناً يصور حفل زواج لشابين قبل أن تقتحم أم العريس المشهد لتُجرى فحصاً للعروس مثل ذلك الذى يجريه الزبون قبل شراء سيارة.

وفى عديد الأحوال التى تُنشر فيها إعلانات مشابهة تثور الحملات الناقدة وقد تتمكن بالفعل من الحصول على اعتذار من أصحاب الإعلان، أو حمل السلطات المنظمة للمجال الإعلامى والإعلانى على حظر الإعلان «المسىء».

ومع ذلك، فإن صُنّاع مثل تلك الإعلانات المثيرة للجدل لا تعوزهم أبداً الحجج اللازمة للدفاع عن مواقفهم، إذ يتذرعون عادة بفكرة «حرية الإبداع»، وأن السخرية والمقاربة الكوميدية جزء أساسى من صناعة الإعلان، وكثيراً أيضاً ما يقال إن الجمهور فى عمومه لم يجد سبباً لنقض الإعلان أو استهجان نزعته الحادة.

والشاهد أن عدداً كبيراً من المقاربات الماسة بصورة المرأة ومكانتها ما زال يجد مكانه فى المنتج الإعلانى المقدم فى عديد من النظم الإعلانية والإعلامية، بحيث ظهر توافق واسع بين الباحثين المختصين على أن قطاعاً من الجهود الإعلانية يتسم بتقديم المرأة فى صورة نمطية ومسيئة، وينحو إلى التركيز على ملامح «فتنتها».

كما يتسم عدد آخر من تلك الإعلانات بتقديم المرأة فى صورة لا تعكس وجودها الحقيقى فى المجتمع، وإنما تنحو إلى اختزال مكانتها فى مركز اجتماعى أدنى، وتحصر وجودها فى المنزل أو المطبخ.

ومن بين جميع الصور التى تبدو عليها النساء فى المجتمع، تفيد الدراسات أن ثمة تركيزاً منهجياً فى المنتجات الإعلانية على صورة المرأة الشابة، والنحيفة أو ذات الجسد الممشوق، والجميلة. وعندما يتم عرض صور النساء «الأقل جمالاً»، أو «الأقل رشاقة»، أو «الأقل وعياً»، فإن ذلك يجرى بصورة تنطوى على «إهانة» أو «تحقير» فى عدد معتبر من الحالات.

لا يتوقف صُناع الإعلان حول العالم عن استخدام صورة المرأة بشكل مُسىء فى الإعلانات، وللأسف الشديد، فإن نساء ورجالاً ومؤسسات يتقبلون هذه المقاربات، ويعتبرونها استحقاقاً من استحقاقات «حرية الإبداع».

إن تناول المرأة فى صورة تحط من شأنها أو تختزل دورها الاجتماعى على نحو مُسىء أو تركز على البعد الجسدى لها لن يتوقف إلا من خلال تغيير اجتماعى وثقافى عميق، وهو أمر يجب أن تشترك فى صناعته مؤسسات وأطر رسمية وغير رسمية، وأن يتم تضمينه فى برامج التعليم والتنشئة، فضلاً عن برامج جادة لتوعية القائمين على صناعة الإعلام والإعلان بدور المرأة ومكانتها المستحقة.

نقلا عن الوطن المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط