أوقفوا اشتقاقات اللجوء

داود الشريان
داود الشريان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

هل يجوز لنا، اليوم، أن نعطّل الاشتقاق في لغتنا. نلجمه في شأن اللاجئ. نمنع الوصول إلى الملجأ. نوقف بناء هذه السجون التي تسمى في نشرات الأخبار ملاجئ. السياسة ليس لديها أفق حل لتنامي الاشتقاقات المتعدية والمؤلمة في قضية اللاجئين. جربنا هذا مع اللاجئ الفلسطيني. احتلت أرضه. حبس على الحدود في مخيمات الصاج والبرد والهوان منذ عام 1948. حرم التعليم والصحة والحياة الكريمة، بدعوى انتظار الحل. ما جرى للفلسطينيين لم يكن مؤامرة أو صدفة، كانت الاتفاقات الدولية مقصورة على توفير الحماية بصفة أساسية للاجئين الأوروبيين فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن أن بروتوكول عام 1967، الذي وسّع حماية النزوح في أرجاء العالم، لم يُنفّذ، ظل بروتوكولاً معطلاً.

في عدد "النهار" اليوم لم نلتفت للسياسة في مأساة اللجوء. لا خوفاً، بل يأساً، وانعدام ثقة. كتبنا عن اللجوء كقضية إنسانية. وحلها ليس بالمخيمات التي يصنعها السياسيون، بل بالعودة إلى الدار. أوروبا اليوم تعود إلى اتفاقية 1951 بحذافيرها، في تعاملها الإنساني والأخلاقي مع اللاجئين الأوكرانيين. لاجئ عابر للمدن، فضلاً عن الحدود، هذا التوجه يجد رفضاً في أوساط الشعوب الأوروبية، لكن الرؤية الأوروبية لا تعني إسكان الأوكرانيين في بيوت الناس، بل قبول عيشهم في المجتمع، والعمل، وإن شئت نقلهم من حال التسول والعوز إلى العمل والحياة الكريمة. نحن خسرنا الفلسطينيين في المخيمات السياسية، فهل نترك الآخرين للمصير نفسه. القضية تحتاج إلى إعادة نظر.

حين قررنا إصدار هذا العدد الخاص من "النهار" عن اللاجئ العربي، الذي هاجر من بلده أو من مدينته، فراراً من الحرب والخوف، خلال سنوات تجريف الدول العربية من العرب، والأيزيديين والأكراد، لم ننس جمرة اللاجئ الفلسطيني، الذي تعرّض لكل اشتقاقات اللجوء، وأوجاعه. وفتحت "النهار" صفحاتها في هذا العدد للاجئ العربي في الشتات للتعبير عن رحلة اللجوء، المروّعة، التي يعيشها اليوم الإنسان العربي في الجوار والدول القصية، ونقل معاناة فتيات وشبان يعيشون مرارة اللجوء والملجأ. كتبوا بلغة جميلة رغم وجع المعنى.

لا شك في أنه يستحيل تجميل اللجوء، أياً يكن عدد اللاجئين الذين جعلوا من هذه الرحلة تحدياً إيجابياً، وفروا إلى عوالم مدهشة، فضلاً عن أن قصصاً وموضوعات وسرديات، في هذا العدد، تعطي انطباعاً بأن اللاجئ العربي صار فاعلاً. تجاوز عثرة اللجوء. لكن الواقع سواده أسماء مهمشة ومحبطة من الأطفال والنساء والرجال، وأعدادهم بالملايين. المشهد برمّته ما زال يلفه السواد والجوع وغياب الأمل.

الأكيد أن التعامل مع أزمة اللاجئ العربي المتنامية، في السنوات العشر الأخيرة، باعتبارها أحد ملفات حروب المنطقة، وهي الكفيلة بحلها، لن يكون ممكناً في المرحلة المقبلة، رغم فشله سابقاً. وفي ظل تزايد عدد اللاجئين الذي يجتاح أوروبا، بسبب الحرب الأوكرانية، فإن الأمل بفتات المنظمات الدولية الذي يتلقاه اللاجئ العربي منذ أعوام، سيغدو صعباً في المستقبل القريب. من يعلّق الجرس، ويفتح باباً للأمل؟

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.