تعظيم عوائد الثروة المصرية

عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

أمران شغلا الجمهور المصري وأصاباه بضيق شديد خلال الأسبوع الماضي: أولهما حالة الغلاء؛ وثانيهما هزيمة فريق كرة القدم المصري من السنغال وحرمانه هكذا من حضور نهائيات كأس العالم التي كانت مصر قاب قوسين أو أدني منها، وبلغة كرة القدم صواب تسديد ضربات الجزاء الترجيحية. في هذه الأخيرة قدر الله وما شاء فعل، وربما في وقت آخر يناقش المتخصصون في مصر كيفية إنتاج لاعبين أطوالهم سامقة، وعضلاتهم بارزة، وسرعاتهم أكثر، ويضاف كل ذلك إلى ما لديهم بالفعل من موهبة غزيرة وعزيمة صلبة وغيرة وطنية حماسية وعنفوان شباب فائر. هو نوع من إدارة أصولنا من ثروة الشباب في مصر والتي تناسب المجال والساحة، والتي لا تقل أهمية عن الموضوع الآخر الخاص بمواجهة موجة الغلاء في مصر والتي تولدت في بعضها عن آثار الحرب الأوكرانية، وبعضها الآخر عن موجة الغلاء العالمية التي سبقت الحرب، وبعضها الثالث من عدم تمكن الأدوات الاقتصادية من حماية العملة الوطنية فكانت القرارات الشجاعة التي جرت من إعادة التعويم، وما صاحبها من قرارات اجتماعية لتخفيف أثر الغلاء على الفئات الأقل حظا في المجتمع. وفي مقالات سابقة جري التعامل مع الموضوع على أنه يمثل تحديا ثالثا كبيرا بعد الإرهاب والكورونا للمشروع الوطني المصري يمكن تجاوزه, ومرة أخري في إطار تقوية مناعة التعامل مع التنمية تحت نار الأزمات, وفي هذه المرة الثالثة فسوف يكون مفيدا ورشيدا التعامل مع الآليات التي نستخدمها في إدارة أصول الدولة التي زادت كثيرا خلال السنوات القليلة الماضية فاتسع المعمور المصري، وتنوعت أصوله بقدر ما تنوعت الأقاليم المصرية ما بين النهر الخالد، والبحار والخلجان العريضة والواسعة. وهو إنجاز كبير وغير مسبوق في اتساعه وتنوعه منذ وقت الخديو إسماعيل، ويبقى تعظيم عائده الضروري لعمليات التنمية، ومساهمته في عملية سداد الديون وفوائدها والتي قدمت التكلفة وراء عملية التوسع. وحتى تكون الأمور واضحة فإن الاقتراض هو إحدى وسائل الدول في تمويل عملياتها التنموية كانت أو أمنية، ولا يستثني في ذلك دولة من دول العالم. والثابت أنه لم يحدث أبدا أن تأخرت مصر عن سداد ديونها، وهى شهادة لها ضرورية عند هذا المنعطف الذي جاء نتيجة ظروف دولية معقدة. بمعنى آخر فإن التوازن ما بين توسيع الثروة وإدارتها واستغلالها لتحقيق الفائض المالي اللازم لسد الفجوة بين الموارد والإنفاق هو التحدي الجديد أمامنا الآن، وهو أمر بكل تأكيد لا يقارن بصعوبة إنجاز مهمة توسيع الثروة ذاتها. كما يمكن اعتباره المرحلة الثانية في مشروع توسيع الثروة المصرية.

والحقيقة هي أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أشار في أكثر من مناسبة خلال السنوات السابقة إلى ضرورة دخول المرحلة الثانية وهي إدارة الثروة المصرية وضمان النجاح فيها بما يتواكب ويتناسب مع النجاحات التي تم ويتم تحقيقها في مرحلة توسيع الثروة، فطرح الحاجة إلى نقل إدارة مشروعات إنتاجية إلى القطاع الخاص تعلق بعضها بالثروة السمكية ممثلة في مزارعها الجديدة، وكذلك الصوب الزراعية، والمشروعات الخدمية للقوات المسلحة، والكيانات الصناعية الكبرى. ومما لا شك فيه فإن الفارق ما بين الطرح والتنفيذ راجع للبيروقراطية المصرية غير المتحمسة للمشروع الوطني المنتج للثروة، والذي تريده قائما على أولويات توزيع الثروة أولا بأول، والحريصة دائما على تعقيم المشروعات الوطنية من القدرة على الاستثمار والتوسع والإدارة الرشيدة.

والثابت أنه رغم كثرة الحديث عن الاستثمار والمستثمرين فإننا لم نتقدم كثيرا في أدوات ممارسة الأعمال وبالقدر الذي نحتاجه لجذب رأس المال الأجنبي والمحلي. وما كان فارقا زمنيا بات فجوة تنفيذية ما بين المشروعات والعائد منها يستنزف موارد إضافية في ظل ضرورة الاستمرار في الإنفاق على التشغيل والصيانة حتى ولو لم يدخل المشروع إلي دائرة الاقتصاد القومي. بتعبير آخر فإن المشروع في تلك الحالة لا يتحول إلى قوة ديناميكية في الثروة الوطنية تضيف لها تفعيلا ونموا. ولحسن الطالع على سبيل المثال أن مصر اتخذت إجراءات إدارة المتحف المصري الكبير قبيل افتتاحه للجمهور والعالم، وكان ذلك إنجازا حقيقيا يحسب لمن قاموا به لأنه يقدم مثالا يحتذي للمشروعات الأخرى.

ومن الناحية الإستراتيجية البحتة فإن مصر أمامها مهمتان في بالغ الأهمية لمعالجة الواقع الحالي بتخفيف الغلاء ورفع مستوي النمو إلي ما كان متصورا حدوثه، أي يتعدى ٦٪، وهما: أولاهما إدارة وتعظيم العائد من الأصول التي جري بناؤها خلال السنوات الماضية، بما يتناسب مع تلك الثورة الهائلة التي أحدثها الرئيس السيسي في طبيعة الثروة المصرية وأصول الدولة وإعدادها لتكون جاهزة للاستثمار. وثانيتهما أن النظرية التي قامت عليها عملية التنمية المصرية كانت الانتشار من النهر إلي البحر؛ وبالفعل فإن مدنا كثيرة وذكية وحديثة قد قامت، وهناك مدن قبلها أنشئت في عهود سابقة، وقد تأخرنا كثيرا في الكيفية التي سوف يحدث فيها الانتقال الديمغرافي الذي ينقل الجمهور المصري من الوادي الضيق إلى الساحل الفسيح. هذه عملية تاريخية غير مسبوقة، ولا يماثلها إلا ما جري في الولايات المتحدة عندما انتقل السكان من الساحل الشرقي إلي الساحل الغربي وما بينهما بحثا عن الذهب والثروة والحياة الغنية. هذا القدر الجديد يحتاج الكثير من التفكير لأن فيه يكمن مستقبل مصر كلها.

* نقلا عن " الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط