عن بايدن الحائر وأمريكا القلقة
نهار الثلاثاء الماضي، استقبل الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن في البيت الأبيض، الرئيس الأسبق باراك أوباما، في أول دخول له لمقر الرئاسة الأمريكية، منذ أن غادره قبل خمس سنوات، وفي مناسبة توقيع أمر تنفيذي لتعزيز قانون الرعاية الصحية الذي سبق لأوباما، وأقره أثناء رئاسته في عام 2010 والمعروف باسم قانون أوباما.
حملت لنا الكاميرات مشهدا سيظل عالقا في أذهان الأمريكيين بنوع خاص، وبقية العالم بشكل عام، وفيه يبدو الرئيس الأمريكي بايدن حائرا لا يدري إلى أين يذهب، أو مع من يتحدث، فيما غالبية الضيوف محلقين حول أوباما حديثا ولهوا وضحكا.
طرحت الصورة علامة استفهام مثيرة وخطيرة في الوقت عينه: "من يحكم البيت الأبيض جوزيف بايدن أم باراك أوباما؟
الصورة في الداخل الأمريكي أهم وأعم من ألف كلمة، ومشهد الثلاثاء المنصرم، ذكر الجميع بأن اليد العليا في مؤسسة الرئاسة في واقع الأمر هي للمؤسسات الماورائية التي تحرك المقعد الرئاسي كيفما تشاء، باستثناء حالات نادرة من الرؤساء أصحاب الكاريزما والانتصارات، كما حال الجنرال إيزنهاور، الوحيد الذي استطاع أن يقف في وجه جماعة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.
من الواضح أن تلك المؤسسات أدركت الحالية الكارثية التي ستؤول إليها أحوال الحزب الديمقراطي عما قريب، وعلى بعد أشهر معدودات من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث الهزيمة النكراء متوقعة للديمقراطيين في مواجهة الجمهوريين، وغالبا ما سيمتد المشهد إلى نوفمبر 2024، أي موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ما جرى في تلك الأمسية قبل أيام، تجاوز إطار المزح إلى الحقيقة المرة، فقد نادى أوباما مازحا الرئيس بايدن بلقب، السيد نائب الرئيس، في إشارة إلى الموقع الذي شغله بايدن في إدارتي أوباما على مدى ثمان سنوات.
ولأن الرئيس بايدن يعاني من إشكاليات واضحة، فقد استهل كلمته بدوره بما لا يستساغ، بل ربما ينتقص من مقام الرئاسة، فقد قال: "أنا جو بايدن، نائب الرئيس أوباما، وزوج جيل بايدن"، ومضيفا لا أعرف أين يجب أن يجلس كل منهما على طاولة الغذاء".
بدا بايدن وكأنه ليس حائرا فحسب، بل غير مصدق أنه وصل إلى المقعد الرئاسي، ولا يزال نائبا لأوباما، والمعروف أنه ظل وفيا للرجل الذي منحه ميدالية الرئاسة للحريات عام 2017.
السؤال الحقيقي: "ما الذي كان يفعله أوباما في البيت الأبيض؟
حكما المسألة تتجاوز فكرة دعم قانون ما للرعاية الصحية، وتقودنا إلى حديث أكثر عمقا، عن رئاسة قلقة ومضطربة، ورئيس غير قادر على ضبط المسافات بشكل عقلاني وواقعي بين واشنطن وبقية العوالم والعواصم، كما أنه يبدو غير قادر على التفريق بين حلفاء واشنطن المخلصين عبر عقود طوال، وأعدائها الذين تسببوا في إعاقة استراتيجياتها عبر أزمنة طويلة.
مضى أوباما إلى البيت الأبيض، في توجه هو الأول من نوعه لإظهار دعم الحزب الديمقراطي للرئيس الحالي، وهو ما يؤكد ما كان يروج في العاصمة الأمريكية من قبل، ويتمحور حول ولاية بايدن الأولى، وكيف أنها ليست سوى ولاية ثالثة لأوباما.
مثير أمر الرئيس بايدن، وربما مدعاة للأسى، ذلك أنه وفيما يظهر ولاءه الشديد لأوباما، يستحضر الجميع كيف أن الأخير لم يكن عونا له في حملته الانتخابية في مواجهة ترمب منذ البدايات، وأنه لم يبد مؤخرا سوى دعم فاتر، فيما عجلة الأحداث قادت إلى تدبير معركة انتخابات 2020 والتي يراها البعض انتخابات مزورة حتى الساعة.
تم تدبير زيارة أوباما للبيت الأبيض بهدف معالجة أوضاع بايدن المتردية على صعيد استطلاعات الرأي التي تنخفض يوما تلو الآخر، والتي وصلت حدود 40% في بعض النتائج، وهي نسبة مخيفة للحزب ومؤشر على ما ينتظهره من انكسارات.
أزمة الديمقراطيين تتجاوز إخفاقات بايدن وإدارته، فهناك صراع عضوي بين جناحين ديمقراطيين، الأول يمثله التيار اليساري التقدمي، بزعامة العضو الشابة الكسندرا أوكاسيو كورتيز، تلك التي يتوقع البعض لها أن تضحى الجواد الرابح للديمقراطيين، لدخول البيت الأبيض في مقبل الأيام، والثاني يمثله الجناح التقليدي بزعامة رئيس مجلس النواب نانسي بيلوسي، والتي بات البعض ينظر إليها بوصفها حجر عثرة، لا حجر زاوية.
هل بايدن في مأزق وقبل أن يكمل عامه الثاني في البيت الأبيض، ولهذا تم الاستعانة حزبيا بالرئيس الأسبق أوباما، ليلعب دور المساند والداعم؟
يمكن أن يكون ذلك قولا وفعلا، وهناك سردية طويلة من الإخفاقات تطارد الرئيس بايدن، وربما أخطرها فشله في القضاء على تيار الترامبية، وعدم مقدرته على تفكيك الدعم والتأييد للرئيس السابق، والذي يتجاوز داعموه اليوم نحو 75 مليون أمريكي.
الأمر الآخر هو عدم مقدرة بايدن على الإيفاء بوعده الانتخابي، والخاص بتجميع الأمريكيين تحت راية واحدة، وعوضا عن ذلك نرى فيروس العنصرية والقومية يهدد فكرة الانصهار التي عرفت بها البلاد منذ نشأتها وحتى الساعة، لصالح تيار الأعراق والقوميات المتصارعة.
ذهب أوباما إلى البيت الأبيض في محاولة مبكرة من الديمقراطيين لدرء خطر خسارة الرئاسة التي تنتظرهم في العامين القادمين، ويبدو أنه ليس وحده الذي ظهر على شاشة الأحداث، فقد رأينا قبل بضعة أيام ظهورا مرتبا ومدبرا لهيلاري كلينتون، وحديثا ممجوجا يغازل التيارات اليمينية المتطرفة والمتشددة في البلاد، ما يفتح الباب واسعا للتكهنات، وهل الأمر هو استعداد لمعاودتها كرة الترشح لانتخابات رئاسية مرة أخرى بعد فشلها في 2016 أم لا؟
حيرة بايدن ليست سوى مظهر من مظاهر القلق والاضطراب اللذين يغلفان الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن، ما بين أوضاع اقتصادية مأزومة من جهة، ورؤية سياسة ضبابية من جهة ثانية، فيما الطامة الكبرى التي يحذر منها الراسخون في العلم الأمريكي موصولة بالداخل المجتمعي الأمريكي، وتفرقه بعد طول وحده، وتشرذمه بعد أزمنة الصوت الواحد.