تفاءلوا
بينما الشمس قد طلعت من المغرب مشرقةً، وتغيرت أحوال كوكب الأرض، وتبدلت أحوال الخليقة على غير المعتاد، وجحظت أعين الناظرين خوفًا واستغرابًا من هذه التحولات غير المحسوبة عند البشر، وغير المذكورة في أحوال الطقس، تأتي نظرة الإسلام التفاؤلية للحياة، ليقول لك نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلـم: "إن قامت على أحدكم القيامة، وفي يده فسيلة فليغرسها".
نظرة للحياة مليئة بالتفاؤل، ومشبعة بملء الفراغ، وصرف النظر عمّا يدور حولك من مشكلات العالم، لتبادر أنت بفعل ما قد يكون خليّة حية في صناعة الحياة وتغيير أحداث الأرض، وإن كانت كل المعطيات تقول: إن فعلك لا يقدم ولا يؤخر! لكن فعل الخير وبناء الحياة مهما كان صغيرًا مطلوب لذاته، غير مرتبط ولا متوقف بالأحداث من حولك.
أقول ذلك لكثير من الناس الذين شغلهم إعلام العصر، بأخبار الحروب واضطرابات الدول، وربما قد صنع أحدهم نهاية العالم في تحليلاته ومخيلاته، ويبني أفعاله وأحواله على ذلك، متناسيًا أنه لا علاقة له بما يجري مما هو مسؤولية الدول والحكام، وإنما علاقته الحقيقية هي بأفعاله وأقواله، وطريقة مباشرته لبناء الحياة وفقًا للمتاح له ولو بزرع شجرة في أرض فيحاء.
حين كان النبي - صلى الله عليـه وآله وسلم - وأصحابه في غزوة الخندق اعترضتهم صخرة أعجزت الأقوياء في كسرها، فتقدم لها سيد المتفائلين، ورفع المعول وضربها ضربةً ليحدث أصحابه أنه يرى قصور صنعاء وقيصر وأعطي مفاتيح اليمن والشام، ليعطي أصحابه العزيمة الكافية من التفاؤل في أحلك الظروف.
وليس ببعيد فقد كنا في رمضان العام الماضي وما قبله في عنق الزجاجة من الضيق، كان الموت يتخطف الأهل والأحبة والأصدقاء - والموت حق - لكن في البلاء يكون له شأن آخر، وتقطعت العلاقات إلا من اتصالٍ عن بعد، واشتاق الناس إلى بعضهم بعض، وإلى أسواقهم ومساجدهم وإلى طبيعتهم، ومع ما بذلته هذه الدولة الكريمة من جهود، فلا زال للبلاء ظله الذي ألقاه على حياة الناس، ولكن كان التفاؤل رفيق الناس، والأمل بالله ضجيعهم، وها نحن قد خرجنا بفضل الله، ثم بفضل اتباع الهدي النبوي حين أمر بالتمسك ببناء الحياة بغرس الفسيلة، فأخذت الدولة على عاتقها غرس فسيلة الحياة من جديد في الوقت الذي كان العالم كله مشغولاً؛ كلّا بنفسه، وها هي تلك الفسيلة تعود تنبت بحياة جديدة، وعادت الناس لحياتها وطبيعتها، بعد أن عاين كثير من الناس الموت من كل جهة وظنوا أنه لا نجاة بعدها.
ليس في التزهيد في الدنيا ولا في آيات الترغيب في الآخرة أي معنى لترك الحياة وبنائها، بل فيها التمسك بالحياة وزرع الابتسامة والتفاؤل والمحبة، وبناء وعمران الأرض بالطرق الحديثة والهندسة العتيقة العميقة التي تضمن للأجيال حياة أخرى، ينشغلون فيها بمواكبة العالم والتقدم عليه، لا بإصلاح ما أهملناه وزهدنا بإصلاحه وبنائه، بسبب فهم مغلوط منا بحقيقة التزهيد في الدنيا، وفهم الكثير منا أن التزهيد فيها يضاد الحياة!
وبالمختصر فإن التزهيد في الدنيا، معناه بناء حياة متماسكة قائمة على القوة في نصر المظلوم، وإعانة الضعيف، خالية من الإجرام والظلم وسفك الدماء. حياة تعطي فيها كل وقت عملَه، وكل ذي حق حقه، فمن الناس من له عندك حق النصرة، وآخر له عندك حق المعونة، وذاك له عندك حق الابتسامة والسرور والتبسط، وحق الأجيال عليك أن تملأ فراغك بكل نافع مما تستطيع تقديمه من بناء ونصح وإرشاد وعلم وإنتاج وإبداع، حتى تستمر الحياة، ويكملون ما بدأناه، ويتمّون ما قصرنا في إكماله. فلا حياة دون أمل، والأمل مرتبط بالتفاؤل، ولا تفاؤل دون حسن الظن بالله، وهو الذي قال في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء.
فلنجعل التفاؤل دثارنا، وحسن الظن بالله شعارنا، ولنكمل مسيرتنا في الحياة، بناء، وإعمارا.. هذا، والله من وراء القصد.
نقلاً عن "الرياض"