تحديث العادات

عادل الكلباني
عادل الكلباني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

أكبر ظني أن الربط بين ما كنا نفعله كعادات وتقاليد موروثة، وبين الطرح الوعظي في جعل العادات والموروثات دينًا، له الأثر الكبير في التفاوت البيّن بين هذه التقنيات والاختراعات الحديثة وبين تلك الشخصية التي تجاهد بكل الطرق للظهور بمظهر من يعيش في زمن الأجداد..

التحديث مصطلح يعرفه أغلب الناس إن لم يكن كلهم، فهو مصطلح لا يُعنى به ما كان مشهورًا بين المحدثين من نقل الأحاديث والآثار بالسند إلى آخره، ولكنه عبارة عن برمجية تنقل التطبيقات والبرامج والأجهزة والإلكترونيات من حالتها التي تقادم بها الزمن إلى حالة أحدث، بإدخال تقنيات وصناعات وتسهيلات استخدام، مع طرق وأساليب جديدة وإبداعات تواكب حاجة المستخدمين، وتضمن رضاهم قدر الإمكان، طبعًا الكلام عن الشيء القديم في هذا الباب، واستمرار استخدامه، يختفي شيئًا فشيئًا حتى يكاد ذلك الجهاز أو ذاك التطبيق مجرد ذكريات مضحكة، لكون الناظر ينظر إليها كشيء بدائي لا يتناسب مع اللمسات الإبداعية التي بين يديه حديثًا.

هذا التحديث لا يتوقف عند "السوفت وير والهارد وير" الحديثة، بل الحياة كلها سارت وفق هذا النظام والترقي، حتى وصل الإنسان إلى استبدال "الخيل والحمير والجمال والبغال" بالطائرات والقطارات والسيارات والدراجات، ولم يكن هذا الوصول "صنيع يوم وليلة" بل كان تدريجيًا على شاكلة التحديث البرمجي في الأجهزة الحديثة، فلو أمعنت النظر في برامج التواصل لرأيت أن أول برنامج أو تطبيق استخدمته لذلك، يختلف تمامًا عن التطبيق الذي تتواصل به اليوم، وربما تكون الشركة المنتجة هي نفسها والتطبيق يحمل نفس الاسم والشعار ولكن، بين النسخة الأولى والأخيرة مئات النسخ المختلفة التي لا تُشعر المستخدمين بتغير كبير في الترقي.

في العلوم كذلك، وفي اللغات وأزمنة تطورها، وفي أدوات تبليغ وحفظ الدين كذلك حدث هذا الترقي بما يربط آخره بأوله دون إحداث خلل في نفسيات المسلمين وبقي تعظيم الشعائر والموروث في القلوب كما هو، فالقرآن الكريم مثلاً، لم يكن بهذا الاتقان في الرسم والطباعة والتغليف، بل وكانت الحروف تكتب بالطريقة التي وصل إليها ترقي الكتابة في ذلك العصر، فكانت الحروف غير منقوطة، ثم جرى جمع القرآن ثم تنقيطه، وتواتر قرنًا عن قرن، حتى وصل إلينا بهذه الصورة دون إحداث أي أثر سلبي في التعظيم، فالقرآن هو القرآن، وعظمته في نفوس المسلمين لا يصفها قلم، وهو بالجمال والروعة التي هو عليها اليوم ولله الحمد.

نعود للمراد الكلام عنه، وذلك في تحديث عادات وحياة الناس بالطريقة التي توافق ما بين أيديهم من أجهزة حديثة وبرامج تواصل مبهرة، لماذا نقبل التحديث في كل شيء، بل وفي أقدس شيء، حتى بيت الله المحرم، فبفضل الله، ثم ما تقدمه هذه البلاد المباركة من خدمة، في كل سنة نراه في حلة جديدة، وفي توسعات تواكب الحاجة، وجهزت فيه التقنيات التي تناسب مكانته في قلوب المسلمين، ثم لا يقبل أحدنا أن يحدث حياته الخاصة بما أبيح له، مزامنة لما بين يديه من تقنيات، ولما وصلت إليه البلاد من تقدم ورقي في كل المجالات؟.

ولعل هذا الإصرار عند بعض الناس على تقمص شخصية الآباء والأجداد في كل صغيرة وكبيرة، له سبب آخر غير حب التمسك بالعتيق زعمًا، فأكبر ظني أن الربط بين ما كنا نفعله عادات وتقاليد موروثة، وبين الطرح الوعظي في جعل العادات والموروثات دينًا، له الأثر الكبير في التفاوت البيّن بين هذه التقنيات والاختراعات الحديثة وبين تلك الشخصية التي تجاهد بكل الطرق للظهور بمظهر من يعيش في زمن الأجداد، رغم أنه لا علاقة للدين بذلك.

وفي هذه الأيام المباركة يحاول المسلمون إظهار أفراحهم ومسرّاتهم بكل وسيلة وطريقة، ليشهد العالم شعائر المسلمين، وما زلنا نجد من يحاول تنغيص تلك الفرحة بانتقاد ما يحدثه الناس من أساليب وطرق للتعبير عن أفراحهم، فهل العادات وقف غير قابل للتحديث؟ سؤال لا أملك إجابته.. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن " الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط