فرنسا.. علامات حيوية مقلقة

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

عادة ما يستخدم تعبير العلامات الحيوية، في وصف حالة الجسد البشري، والتي تدل على قوته وقدرته على الاستمرار في الحياة بشكل فعال، وابتعاد المرء عن مناطق فقدان المناعة، هناك حيث الميكروبات والجراثيم يمكنها أن تهاجم الجسد البشري.

يبدو الجسد الفرنسي اليوم، وبعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في حاجة إلى إعادة قراءة علاماته الحيوية، ذلك أنه على الرغم من انتصار الرئيس إيمانويل ماكرون، وخسارة منافسته اليمينية ماريان لوبان، إلا أن حالة من عدم الاطمئنان على مستقبل فرنسا العلمانية التنويرية، صاحبة الصيحات الشهيرة عن الإخاء والحرية والمساواة، تشوب الجميع في الداخل الفرنسي، وتنسحب بالقدر نفسه على الخارج، حيث دول العالم تتابع ما يحدث، وما يمكن أن تسفر عنه الأقدار في قادم الأيام.

قبل الدخول إلى عمق الأرقام التي أظهرتها الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة ودلالاتها، ربما يتعين علينا التساؤل: "هل كان الجسد الفرنسي سليما وبكامل قدراته الفكرية والرؤيوية في العقدين الأخيرين؟".

قطعا هناك اضطرابات عميقة طفت على السطح، بعضها شارك فيه تيار اليمين الفرنسي التقليدي المتشدد، وبعضها الآخر أشعلت أواره الحوادث الإرهابية التي جرت في العاصمة باريس، وغيرها من المدن الفرنسية، كما في مسرح الباتاكلان، الأمر الذي أتاح المجال واسعا لترويج نظريات أسلمة أوروبا، وقد وصل الأمر ببعض تلك الآراء المتطرفة للقطع بأن رئيس فرنسا القادم سيفرض الحجاب على الفرنسيات.

بدت مناعة الجسد الفرنسي تتراجع عن دروب التنوير، إلى أزقة الأصوليات الراديكالية الفرنسية، وليست الإسلاموية كما درج الحال، وآية ذلك تلك الرواية سيئة السمعة والتي حملت اسم "الخضوع" لمؤلفها ميشيل ويلبيك، الذي له عدة كتب وروايات أخرى مشابهة، جميعها تدفع الفرنسيين إلى الهلع من مستقبل فرنسا، حيث السود والنساء والمسلمون وأصحاب الهويات الجنسية المتنوعة يتمتعون بالحق في المساواة وتقلد المناصب.. ماذا يعني ذلك؟

باختصار غير مخل، يعني أن الفرنسيين أحفاد الغال، ربما لن يجدوا لهم موطئ قدم خلال بضعة عقود على الأراضي الفرنسية، وربما كانت أعداد المؤمنين بأفكار ويلبيك سببا في دفع مرشح يجاهر بأفكاره اليمينية المتطرفة مثل إريك زامور، ليخوض تجربة الترشح لرئاسة فرنسا، وحتى لو لم يتمكن من تخطي عتبة المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

هل ما تعيشه فرنسا أزمة هوية، لا تشملها هي فقط، بل عموم القارة الأوربية، تلك التي تبدو مشدودة على الحبال، بين الغرب الأميركي الذي وفر لها الحماية العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية من جهة، وآسيا الشرقية هناك حيث الفرص والمخاطر من ناحية ثانية؟

أما الفرصة فتتجلى في العلاقات مع الصين، وهذه كانت قد بلغت حدا من الغزو الاقتصادي المقنن لأوروبا قبل كورونا، أزعج الدول الأوربية الكبرى لا سيما فرنسا وألمانيا، وقد رأت دولة ذات تاريخ مثل إيطاليا، تكاد تسقط في براثن الاحتلال الصيني الاقتصادي.

فيما الخطر فروسيا باتت تمثله، وبنوع خاص بعد غزوها الأخير لأوكرانيا، مع العلم أنه قبل جائحة كوفيد 19، وبالضبط قبل غزو أوكرانيا، كانت نسبة معتبرة من الأوروبيين، تميل إلى بلورة تعاون أوراسي، أي شراكة أوروبية - روسية.

هل هذه الاضطرابات الهوياتية تركت تأثيرا بدورها على الشارع الفرنسي، ورفعت نسبة اليمين المتشدد؟

المؤكد أنه على الرغم من الارتياح الظاهري الذي شعر به الفرنسيون أول الأمر، ومن بعدهم شعوب أوروبا، لجهة نتائج الاقتراع في الجولة الثانية، إلا أن تحليلا عميقا للأرقام يوضح ما أشرنا إليه في البداية من قلق حول علامات فرنسا الحيوية، وجسدها الذي يبدو كأنه اخترق من قبل تيارات بعينها.

حصل ماكرون على 58.8%من الأصوات، وفي المقابل جاءت ماريان لوبان زعيمة "التجمع الوطني" في المرتبة الثانية بنسبة 42.2%، وهي نسبة عالية ومخيفة وتعني أن قرابة نصف المصوتين يميلون إلى أصحاب الأصوات الزاعقة والرايات الفاقعة.

أما نسبة المشاركة فبدورها مزعجة، فالذين شاركوا يصل عددهم إلى 63.2% من نسبة المقيدين في جداول التصويت، أما الذين امتنعوا فبلغوا 28.2% أي قرابة الثلث، ما يحمل رفضا ضمنيا ربما للمرشحين، ويشير إلى حالة القلق المزاجي الفرنسي من الطغمة السياسية الحاكمة، وهو الأمر نفسه الحادث في الولايات المتحدة الأميركية، حيث نسبة غالبة من الأميركيين لم تعد تثق لا في الحزب الجمهوري، ولا في نظيره الديمقراطي، الأمر الذي فتح الباب واسعا مؤخرا للحديث عن البديل أو الطريق الثالث، وهذه قصة أخرى لنا معها عودة.

والثابت أن تحليل بعض أرقام الانتخابات الرئاسية الفرنسية، يحملنا على القلق من جديد، ذلك أن أصوات الفرنسيين من عمر 18 إلى 50 ذهبت إلى لوبان وليس إلى ماكرون.

هذا الاقتراع مخالف للعادة الفرنسية، إذ إن كبار السن هم الذين درجوا على التصويت للسيدة لوبان، وليس الشباب وأوائل الرجولة، وهو أمر يعني أن اليمين الفرنسي قد اكتسب مساحات واسعة من اليسار، وأن سياسات اليساريين وتطرفها، تلك التي وصفها الفيلسوف الفرنسي الشهير ريجيس دوبريه، بالأنوار التي تعمي، قد وجهت لطمة لفرنسا العلمانية المجردة عن الأهواء الدينية المغرقة في تطرفها.

هل على العالم أن يقلق على فرنسا؟

ربما من الأصوب الانتظار قليلا ومتابعة بوصلة الرئيس ماكرون وإلى أين تتجه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط