حربُ قد لا تنشب
لماذا لا تلجأ الصين إلى الخيار العسكرى لاستعادة تايوان؟ سؤالُ يمثلُ قاسمًا مشتركًا فى بعض التعليقات على اجتهاد 16 أبريل الماضى (حرب واحدة تكفى). ويتطلبُ الجوابُ عنه استحضار أبعاد المسألة التايوانية فى سياسة الصين، ولكن المجال لا يتسعُ سوى لاثنين هما الأهم فيها.
أولُ هذين البُعدين هو الاختلافُ الجوهرىُ بين حالة تايوان، وأىُ بلدٍ آخر بما فى ذلك أوكرانيا بمناسبة الحرب الناشبة فيها. تايوان ليست دولةً مستقلةً ذات سيادة وفقًا للقانون الدولى، بخلاف أوكرانيا التى اعترف المجتمعُ الدولىُ كلهُ باستقلالها عام 1991، مع بلدانٍ أخرى كانت ضمن الاتحاد السوفيتى السابق. وحتى الدول الغربية، التى ترى فى الصين تهديدًا لها، تعترفُ بأن انفصال تايوان عن الصين ارتبط بأمرٍ واقع، وليس بمحدّدات قانونية. وأىُ أمرٍ واقعٍ لا يقومُ على أساسٍ حقيقىٍ، هو بطابعه مؤقت، طال به الزمن أو قصر. ولهذا تثقُ الصين فى أن تايوان ستعودُ إليها بشكلٍ سلمىٍ فى وقت ما، بخلاف أوكرانيا التى لا تستطيعُ روسيا الهيمنة عليها بدون حرب.
تايوان، إذن، مسألةُ داخليةُ بالنسبة إلى الصين، وليست قضيةً إقليميةً أو دولية. ويقودُنا هذا إلى البعد الثانى، وهو موقعُ المسألة التايوانية فى السياسة الصينية، إذ يعرفُ من يتابعون هذه السياسة أن الخيار العسكرى ليس على المائدة فى أى مدى منظور. فالعاجلُ فى سياسة الصين الآن، ولفترةٍ يصعبُ تقديرُها، هو مواصلةُ تحقيق التراكم فى بناء قدراتها، وعدم الانجراف فى اتجاهاتٍ تعطلُها وتستنزفُها.
وتؤكدُ تجربةُ الحرب الروسية فى أوكرانيا حتى الآن سلامة هذا التقدير، وتدفعُ إلى ترجيح استمرار العمل به، إذ يتابعُ القادة الصينيون ما يحدثُ فى معارك كان مفترضًا أنها أسهلُ بكثيرٍ من تلك التى لا تريدُ خوضها فى تايوان. فعندما نتأملُ جغرافية تايوان، التى تجمعُ بين شواطئ مفتوحةٍ ومناطق جبلية ومدنٍ كثيفة، نجدُ أن تكلفة الحرب فيها ستكونُ كبيرة. ولكن تكلفتها الأكثر أهمية تكمنُ فى تعطيل مسيرةٍ ناجحة، واستنزاف قدراتٍ ضروريةٍ لمواصلتها. ولهذا نتوقعُ أن تحافظ الصين على مبدأ نصرٍ بدون حربٍ الذى جربته وتأكدت من صحته.
نقلا عن "الأهرام"