حرب الغرب بالوكالة فى أوكرانيا

حسن أبو طالب
حسن أبو طالب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

لم يمتد الوقت طويلاً، نحو 12 ساعة فقط فصلت بين تصريح بالنفى وآخر بالتأكيد. كلا التصريحين نابع من مسئوليْن أمريكييْن رفيعى المستوى، أحدهما تشريعى والآخر تنفيذى. يتعلق التصريحان بتحديد هوية الحرب الدائرة الآن فى أوكرانيا. وهو أمر مهم فى سياق المواقف الدولية، لا سيما الغربية التى تدفع بكل قوة لحالة استقطاب وتقسيم دولى وفقاً للشعار الشهير «من ليس معنا فهو ضدنا».

فبينما نفت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، جين ساكى، أن تكون الحرب فى أوكرانيا حرباً بالوكالة بين روسيا وأمريكا، باعتبارها ليست فى مصلحة أوكرانيا والمجتمع الدولى، ومستنكرة التصريحات الروسية التى تشير إلى هذا الوصف، كانت نانسى بيلوسى، رئيس مجلس النواب الأمريكى، تتحدث إلى الرئيس الأوكرانى زيلينسكى، أمام عدسات الكاميرات فى العاصمة كييف، حيث وصفت المعركة الدائرة فى الأراضى الأوكرانية على أنها نوع من الحرب بالوكالة بين الحريات الغربية الديمقراطية وقوى الاستبداد، التى يجسدها «بوتين».

الوصف الذى قالته بفخر السيدة بيلوسى يجسد بوضوح شديد الإدراك الأمريكى الغالب ليس فقط فى مجلس النواب، وهو مؤسسة مهمة فى النظام السياسى الأمريكى، بل فى إدراك النخبة والمؤسسات الأمريكية ككل، برموزها الديمقراطية والجمهورية، بأن الحرب فى أوكرانيا تجسيد مباشر لصراع بين رؤيتين للعالم؛ الأولى الرؤية الأمريكية كزعيمة للعالم الحر الديمقراطى، والمستميتة فى الدفاع عن الحريات فى كل مكان، مقابل الرؤية الروسية الاستبدادية التى يجسدها -وفقاً لبيلوسى- الرئيس بوتين. أما عملياً فهذا الصراع لا تتورط فيه الولايات المتحدة مباشرة، بل تترك لآخرين أن يخوضوه من أجل التفوق الأمريكى وتثبيت قيمها التى تتدعى تمثيلها على العالم ككل. وهو ما أكدته «بيلوسى» فى تقديرها المباشر للرئيس زيلينسكى بقولها: «نزورك لنقول شكراً لك على كفاحك من أجل الحرية».

هذا الشكر ليس قولياً فقط، بل هو شكر مادى يتسم بالسخاء الشديد، حيث وصلت قيمة الأسلحة الأمريكية فقط التى أُرسلت إلى أوكرانيا فى غضون شهرين فقط إلى مليارين وستمائة مليون دولار، ومقرر فى الموازنة الأمريكية التى يتحملها دافعو الضرائب للعام المقبل ستة مليارات دولار أخرى، تم رفعها إلى 33 مليار دولار كمساعدات عاجلة عسكرية واقتصادية، إضافة إلى المعلومات الميدانية الاستخبارية ذات الصلة بالعمليات العسكرية على الأرض. ما يجسد حجم الاهتمام الأمريكى الهائل لما تراه واشنطن ضرورة «انتصار أوكرانيا على روسيا».

وبالرغم من كل أشكال النفى الرسمى الأمريكى والغربى، كتصريحات الرئيس بايدن ورئيس الوزراء البريطانى والمفوضية الأوروبية ومسئولى حلف الناتو، بأنهم لا يشاركون فى الحرب، وأن ما يقدمونه مجرد دعم بالأسلحة ودعم اقتصادى وعقوبات هائلة يفرضونها على روسيا وشعبها ومصادرة أموالها وأموال أشخاص روس عاديين لا علاقة لهم بالقرارات السيادية، كانوا قد توهموا أن استثماراتهم فى الغرب هى الخيار الأفضل فأصابهم الفقر بين عشية وضحاها، وما زال مسلسل العقوبات فى أوله، حسب المواقف المعلنة من كل الدول الغربية دون استثناء، وكل ذلك يعتبره المسئولون الغربيون أنه مجرد دعم لأوكرانيا حتى تنتصر على الاستبداد الروسى، ولا يُعد لديهم ولو للحظة أنه تورط فى الحرب أو العمليات العسكرية، بينما تخرج على العالم بأسره تقارير مفصلة يومية عن العمليات العسكرية ومدى تقدم أو تراجع القوات الروسية وحجم الفشل هنا أو التقدم ولو كان محدوداً هناك، من قبَل المخابرات البريطانية والبنتاجون الأمريكى، فى دليل واضح على أن هاتين الدولتين تحديداً متورطتان مباشرة فى إدارة العمليات العسكرية على الأرض، ولكن دون إعلان رسمى، ناهيك عن التقارير التى تصدر عن قيادة حلف الناتو عن إمدادات السلاح الفتاك المستمرة إلى بولندا ومنها إلى الأراضى الأوكرانية.

الحرب بالوكالة التى يُنكرها البيت الأبيض هى حقيقة واقعة بالفعل، فكل هذا الحشد الغربى بقيادة واشنطن من أجل استمرار الحرب، وتكبيد روسيا خسائر هائلة واستنزاف مواردها بالأيدى الأوكرانية، دون أدنى اكتراث بحجم المعاناة التى يعشيها الشعب الأوكرانى، ولجوء أكثر من خمسة ملايين إلى خارج البلاد ليعتاشوا على المساعدات دون أى أمل فى سلام قريب لبلدهم، وتجاهل غربى تام للثمن الباهظ الذى يترتب كل يوم جرَّاء الأعمال العسكرية الروسية وتدمير البنية التحتية الأوكرانية العسكرية والمدنية، واستنفار مشاعر العداء بين شعبين من أصول عرقية واحدة تجعل الجيرة الطبيعية بينهما شبه مستحيلة، ما يمثل مصدر تهديد دائم لروسيا وشعوبها المختلفة، كل ذلك يدعم التوصيف الحقيقى والواقعى بأننا أمام حرب بالوكالة، تتحملها أوكرانيا وشعبها نيابة عن الغرب الذى يتطلع إلى انتصار ما يصفه بالحرية والديمقراطية على الاستبداد. ناهيك عما يدفعه العالم بالفعل من أثمان مرشحة للارتفاع فى غذائه وفى استقراره.

الحروب بالوكالة ليست أمراً جديداً أو استثنائياً فى العلاقات الدولية، وهى حروب تتحملها الدول الأصغر وتمولها الدول الأكبر من أجل اكتساب المزيد من النفوذ أمام الطرف أو الأطراف المنافسة. وبينما تنهار الدول الصغرى، تتصرف الدول الممولة والمحفزة للحرب باعتبارها خالية المسئولية، وحتى التمويل الذى يتم تقديمه للوكلاء فى صورة أموال سائلة أو أسلحة أو حملات دعائية، فهو فى الأخير يعود على الاقتصاد وعلى شركات إنتاج السلاح المحلية، وبالتالى تتحقق الفوائد المركبة من نفوذ سياسى عالمى وعوائد على أهم مقومات الاقتصاد الرأسمالى المتمثل فى صناعة السلاح بأشكاله ومستوياته المختلفة.

التحذيرات الروسية التى ركزت فى الأسبوع الأخير على أن التورط الغربى فى حرب بالوكالة كما هو حادث بالفعل، قد يؤدى إلى حرب نووية مُهلكة للعالم بأسره، لا تجد آذاناً مصغية من أى عقل غربى رشيد حتى اللحظة. ودون إغفال أن روسيا بحاجة إلى وضع حد للعمليات العسكرية فى أقرب وقت ممكن، والتوصل إلى تسوية سياسية تحقق لها تحقيق بعض أهدافها من الحرب، وتساعد لاحقاً فى تطبيع ولو جزئياً لعلاقاتها الدولية، فإن الموقف الغربى بشكل عام لا يأخذ فى اعتباره فرضية سوء التقدير التى يمكن أن تؤدى إلى مَهلكة عالمية لا قبل للبشرية بها. وهو سلوك يتعارض جوهرياً مع مبدأ المسئولية تجاه أمن واستقرار العالم الذى يدعيه الغرب صباح مساء.

المؤكد أن حرباً بالوكالة أو غيرها فى أوكرانيا ليست قراراً رشيداً بأى معيار. كما أن التمسك بهدف سحق روسيا عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ومعنوياً، وهى الدولة النووية البارزة، دليل على سوء تقدير تاريخى بكل المقاييس، والطريق الأقصر إلى حرب مباشرة مع الممولين والمحفزين لاستمرار الحرب على الأرض الأوكرانية.

نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط