صوت السُنّة "سلاح" لمواجهة "السلاح غير الشرعيّ"

بديع يونس
بديع يونس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

"إن لم تصوّت.. صوتهم صار بيطلّع الناس". بهذه الكلمات حثّ الرئيس الشهيد رفيق الحريري يوماً البيروتيّين على التصويت في الانتخابات وعدم المقاطعة أو التقاعس. وهي دعوة تتوزّع بالصوت والصورة منذ أيام على مواقع التواصل الاجتماعي في الدوائر اللبنانية).

دعوة حكيمة من زمان لا يختلف عن زمن اليوم إلا بهويّة المحتلّ. من هنا يظهر فرق التوصيف بينه وبين نجله الذي يريد دون أن يعلن، الدعوة إلى المقاطعة.

حكمة رفيق الحريري ووطنيّته كانت سبباً رئيسياً لاغتياله. يعلم القاتل تمام العلم أهميّة هذا الرجل لدى الطائفة السنّيّة الكريمة كقائد نجح في السير بين الألغام إلى حين جاء قرار التخلّص منه لأنّ الطريق إلى "حكم لبنان" تمرّ بإضعاف السُنّة وتشتيتهم. فالدعوة إلى "المقاطعة" اليوم لم تكن لتخطر على بال رفيق الحريري في هذا الزمن تحديداً.

ألم نتعلّم من التاريخ؟

درج البيروتي الأصيل رئيس الحكومة الراحل صائب بك سلام بلهجته البسطاويّة المحبّبة على ترداد أنّ "لبنان مؤلّف من جناحين فلا يمكنه التحليق بجناح واحد"، مضيفاً أنّ "لبنان واحد لا لبنانان".

دعمت بيروت مقولة صائب بك، ومشى أهل السُنّة من مختلف العوائل السياسية في مسيرة المشاركة في تقرير مصير لبنان وتطويره وانفتاحه على محيطه العربي .

كرّس مؤتمر الطائف مبدأ الشراكة الحقيقية، وجعل مجلس الوزراء مجتمِعاً القيادة السياسية والإدارية والعسكرية للبلاد، من دون أن ينقض العُرف الدستوري السائد منذ الاستقلال بأن يرأس مجلس الوزراء رئيس سنّيّ يشارك في القرار ويتحمّل مسؤوليّته، وله الحقّ في صلاحيّات دستورية محدّدة أقلّها ممارسة حقّ الفيتو بالامتناع عن التوقيع على أيّ مرسوم لا يجده مقبولاً .

يحلو للبعض في لبنان إطلاق تسمية "المارونية السياسية" على المرحلة السابقة للعام 1990 بسبب الاعتقاد أنّها انطوت على امتيازات معيّنة لهذا المكوّن. ثمّ أطلق هذا البعض على ما تلاها تسمية "السنّيّة السياسية" لأنّه استشعر قوّة نفوذ المكوّن السنّيّ.

توقيع الرئيس الماروني

بالجوهر، التسميتان غير صحيحتين لأنّ الرئيس الماروني بالعرف، مهما كان قويّاً، وعلى الرغم من صلاحيّاته الواسعة سابقاً، كان عليه الحصول على التوقيع المجاور للرئيس السنّيّ، أي توقيع رئيس الجمهورية على مراسيم تعيينه. وبعد تكريس تعديلات الطائف في الدستور لم يكن بوسع رئيس مجلس الوزراء، مهما كان قويّاً، التفرّد وإلا شُلّ قراره.

عليه، ووفقاً لقول القائد الفلسطيني الراحل أبو عمّار "شاء من شاء وأبى من أبى"، لا يمكن لأيّ كان مهما بلغ شأنه أن يشطب الدور السنّيّ في لبنان، المكرَّس في الدستور ومقدّمته ووثيقة العيش المشترك.

للسُنّة دور رياديّ أساسيّ في بناء الدولة ومنع التطاول على سيادتها، وفي الحفاظ على المال العامّ ومنع مدّ اليد على مقدّرات الدولة، وفي رفض المحاصصة التي هي شكل من أشكال الفساد المتنوّع في لبنان. وهم ككلّ اللبنانيين بحاجة إلى قضاء مستقلّ عصيّ على التدخّلات يمنع الزبائنيّة السياسية داخله ويفرض دولة القانون.

هذه هي تطلّعات أهل السُنّة في لبنان المشابهة لكلّ تطلّعات المكوّنات السياسية الساعية إلى بناء دولة متينة قادرة على حساب الدويلة العابثة بمقدّرات البلد والطاعنة بعيشه المستقرّ وأمنه وسلامة أراضيه ووحدتها. تقف الطائفة السنّيّة الكريمة سدّاً منيعاً أمام أيّ طروحات تدعو إلى المثالثة وتخالف ميثاق العيش المشترك الذي نادى به زعماؤها منذ الاستقلال حتى اليوم .

لا يقوى أيّ زعيم بـ"حَرَدِهِ" السياسي، على شطب الدور السنّيّ من المعادلة، جاعلاً هذا المكوّن منعزلاً عن الحياة السياسية اللبنانية، مكرّراً خطأ الموارنة عام 1992 حين قاطعوا الانتخابات وتحوّلت مقاطعتهم مقاطعة للدولة المركزية. ولا يسع قيادة الطائفة السنّيّة في بيروت العاصمة وفي صيدا المناضلة وفي طرابلس الفيحاء وفي البقاع الأوسط الثائر وفي البقاع الغربي النابض أن تُجاري مقاطعة الانتخابات، وتترك الساحة السنّيّة يتلاعب بها محور الممانعة ليزيد من تدخّلات حزب السلاح الإيراني في مفاصلها ويوصل نوّاباً عنها فصّلهم على مقاسه.

دعوة المفتي... ودعوة نصر الله

التقت دعوة مفتي الجمهورية إلى المشاركة الكثيفة في التصويت المبلسِمة والبديلة لجراح المقاطعة، مع دعوات زعماء السُنّة الرافضين للهامشيّة السياسية، الذين سبحوا عكس الانعزال وبوجه الاستقالة من الدور السنّيّ ترشيحاً وانتخاباً وتصويتاً فعّالاً. فارتفعت المناداة باستعادة الدور السنّيّ في الانتخابات تصويتاً، والاقتراع لأصحاب الخطّ الواضح الرافض للسلاح ولسلخ لبنان عن محيطه الطبيعي ورميه في الحضن الإيراني.

نعم، مستقبل لبنان مسؤولية سنّيّة أوّلاً، كما هو مسؤوليّة كلّ المكوّنات اللبنانية. لا تقتصر مهمّة أهل السُنّة على الحفاظ على كيانهم المستقلّ فحسب، إنّما منوط بهم الحفاظ على كلّ الكيانات اللبنانية الأخرى لأنّ لبنان "لا يحلّق بجناح واحد بل بجناحين"، لذا ليس مطلوباً منهم الترشّح والاقتراع لمرشّحي الطائفة كما خطّط القانون الانتخابي، إنّما الاقتراع " المفيد "لجميع مرشّحي السُنّة في الدوائر السنّيّة الكثيفة، والتصويت لمرشّحي الخطّ السيادي في المناطق المختلطة.

على عاتق الناخب السنّيّ التصويت لأصحاب الخطّ السيادي منعاً لتغيير وجه لبنان العربيّ الهويّة. فعندما يعتبر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مرشّحي الثنائي خارج المنافسة، وأنّ المعركة تدور لإنجاح حلفاء الحزب، فإنّ هذا الكلام يكفي للتوجّه والتصويت بكثافة لمصلحة مرشحّي الخطّ السيادي لدى كل المكوّنات.

على أهل السُنّة اليوم تصحيح جزء من "خطيئة" المقاطعة التي تمّت الدعوة إليها، وعدم ترك ساحة المعركة بدون مواجهة لحلفاء إيران وسوريا ومحور الممانعة عموماً.

نتلمس كل يوم منذ عام 2005 ما خطط له ونفذه قاتل الرئيس رفيق الحريري. لقد ابتغى "اغتيال الدور السني في لبنان"، وتشتيته والإمعان في قتله. ولإكمال جريمته يتمنى اليوم "المقاطعة"، ليفصّل مكوّناً سنيّاً على مقاسه من شخصيات لا تمثّل "سنة لبنان" ويحاول بعدها إلحاقهم بمحوره، بعيداً من حاضنتهم العربية. إلا أنّ المشاركة في هذا الانتخابات و"بكثافة" من السنّة خصوصا، لهي واجب وطني سيادي للاقتصاص ممن قتل رفيق الحريري، ولقطع الطريق أمام تكريس مشروع الدويلة الذي عمد منذ 2005 لاغتيال كل من يتمسّك بالدولة.

يبقى السؤال المثار هنا: هل نخضع لحزب الله ولتوجهاته؟ هل نسلم له لبنان وحكوماته ومجلسه النيابي، وننعزل ونتحاذل، تاركين مصير البلد ومكوّناته له؟! أم نخوض معركة الاقتراع بسلاح سلمي وهو "الصوت الانتخابي السيادي" لمواجهة السلاح غير الشرعي؟

*نقلاً عن "أساس ميديا"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط