الإجهاض.. ومعركة النسيج المجتمعي الأميركي

إميل أمين
إميل أمين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تبدو الطبقات المجتمعية الأميركية في الفترات الأخيرة، غير مرتاحة إلى بعضها بعضا، ويوما تلو الآخر تطفو على السطح خلافات تكاد تتحول من توجهات في الرأي إلى صراعات أيديولوجية، ويخشى معها أن تصير إلى صدامات يستخدم فيها العنف، وهو ما جرت به المقادير في الأعوام القليلة الماضية، فيما جمهور العقلاء من الأميركيين، يحذرون من احتمالات حدوثه مرات قادمة، خاصة في الفترة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وقبل عامين من موقعة الرئاسة القادمة، تلك التي يخشى الكثيرون من أن تكون نقطة فاصلة في تاريخ الاتحاد الأميركي.

ماذا عن آخر تلك المعارك؟

حكما الحديث هنا لا يتناول شأن قيام البنك الفيدرالي الأميركي برفع الفائدة لمرة ثانية خلال شهرين، وذلك بهدف مواجهة التضخم الذي ارتفع لأعلى مستوى منذ أربعين سنة في البلاد، على أهمية الموضوع، وإنما من جراء الجدل الدائر، بل الصراع المحتدم حول الحق في الإجهاض أو منعه، وهي قصة تاريخية تنقسم من حولها أميركا حتى الساعة.

الشاهد أنه لا يمكننا فهم أبعاد تلك القضية من دون العودة من جديد للتأكيد على الانشقاق الحادث بقوة في الروح الأميركية، لا سيما بين المغرقين في التشدد الديني اليميني من جهة، وبين التيارات التي أعمتها أنوار الليبرالية المنفلتة من جهة ثانية، وفيما الأولى تجعل من الرؤى الدينية دستورها، تعبد الثانية حرية الإنسان، وتؤمن بأنه سيد مصيره وصاحب قراره.

تنقسم أميركا منذ وقت طويل بين الذين يتيحون ويبيحون الحق في الإجهاض، وبين الذين يرفضونه ويعتبرونه نوعا من أنواع القتل العمد للأجنة.. ما الذي جرى على وجه التحديد؟

نهار الاثنين الفائت كانت صحيفة "بوليتيكو" الأميركية، تقوم بتسريب مسودة عن المحكمة الأميركية العليا في البلاد، تشير إلى نيتها في إلغاء الحكم التاريخي الذي أصدرته عام 1973، واعتبرت فيه أن حق النساء في الإجهاض مكرس في دستور الولايات المتحدة الأميركية.

والمعروف أنه في العام 1973 كانت تلك المحكمة قد أصدرت قرارها في القضية التي عرفت باسم "رو ضد ويد"، والذي شكل سابقة قضائية، إذ إنه كفل حق المرأة في أن تنهي طوعا حملها مادام جنينها غير قادر على البقاء على قيد الحياة خارج رحمها، أي لغاية 22 أسبوعا من بدء الحمل.

هنا يبدو أن التيار المحافظ في المحكمة الأميركية العليا، أي الذي يؤمن بالحق في الحياة، بأكثر من إتاحة عملية القتل المتعمد لأجنة لم تر النور بعد، هو من يقف وراء القرار، لاسيما أن الصحيفة تستند إلى مسودة قرار مسربة وافق عليها أعضاء المحكمة بالأكثرية ومؤرخة في 10 فبراير شباط الماضي، وصاغها القاضي المحافظ صموئيل أليتو.

يعن لنا التساؤل أول الأمر: هل هناك من له مصلحة ما في تعميق الشرخ بين الأميركيين، ولهذا تم تسريب مسودة هذا القرار، ليكون حجر عثرة مرة جديدة في طريق تعايش الأميركيين معا، خاصة في ظل التحديات الخارجية الكبيرة والمتمثلة في صراع مع روسيا من جهة، والاستعداد لملاقاة الصين من جهة ثانية؟

المثير هنا هو أن هذه هي أول مرة في تاريخ البلاد يحدث فيها مثل هذا التسريب، إذ لم يسبق أن تحاط الجموع علما بما يدور من نقاشات في داخل المحكمة، والتي لها هيبتها ووقارها الخاصان، وقبل أن تصدر قراراتها.

جاءت هذه المسودة لتفتح باب الجدل واسعا من عند إدارة الرئيس بايدن ونائبته، مرورا بالجماعات ذات التوجهات اليمينية المتشددة، واليسارية المتطرفة، ووصولا إلى الشارع الأميركي المحتقن في كل الأحوال.

أظهر الرئيس بايدن ذعرا كبيرا من إلغاء حق المرأة في الاختيار، معتبرا أنه أمر مكرس في دستور الولايات المتحدة الأميركية .

كان من المتوقع بالفعل أن يذهب بايدن في هذا الاتجاه على الرغم من أنه ينافي ويجافي عقيدته الإيمانية الكاثوليكية، الأمر الذي دعا من قبل مجلس الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة الأميركية، إلى التفكير في حرمانه من مباشرة الطقوس الكنسية، والحياة السرائرية، كما الحال تحديدا مع ما يعرف بسر التناول أو الإفخارستيا.

أما نائبة الرئيس الأميركي كمالا بايدن، فقد أكدت أن إبطال حق الإجهاض من شأنه أن يسلب النساء حرية اتخاذ قرارات تخص أجسادهن، مشيرة إلى أن "حقوق جميع الأميركيين في خطر"، وفقا لما ورد في بيان نشره البيت الأبيض.

هل سيكون لهذا الجدل تبعات في أشهر الصيف الحالي، وعلى عتبات الصراع الكبير المتوقع بين الجمهوريين والديمقراطيين؟

ذلك كذلك فعلا، إذ إن الجمهوريين يدعمون في غالبيتهم مثل هذا التوجه، فيما يخالفه الديمقراطيون، ومن ثم تتسع الهوة ويحتدم الصراع.

على أن المخاوف هنا لا تتوقف عند حد الجدل الكلامي أو اللفظي، خاصة بعد أن انتشرت التظاهرات في شوارع واشنطن ونيويورك وبوسطن ولوس أنجلوس وسياتل، أي كبريات المدن الأميركية، للتعبير عن الغضب والخوف من "عودة إلى الوراء".

هذه التظاهرات تقف وراء بعضها حكما جماعات لها دالة تاريخيا على العنف، ومنها جماعة ماغا، التي أشار إليها الرئيس بايدن، وحذر من أنها سوف تستغل الإشكال الحادث حول مسألة الإجهاض وخلط الأمر بقضايا أخرى، وإثارة العنف المجتمعي بصورة تهدد الاتحاد الفيدرالي الأميركي.

ليس سرا أن قرابة ثلاثة أعوام من تفشي جائحة كورونا، والاضطرابات الاقتصادية في البلاد، قد ساهمت في إذكاء الغضب من تباين توزيع الثروة الأميركية بين قلة عددية تمتلك ناصية الثروة في البلاد، وبين أكثر من 90% من الشعب أطلق عليهم المؤرخ الأميركي الكبير هوارد زن، في موسوعته الرائدة "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأميركية"، لقب "حراس النظام".

التساؤل هنا: هل يمكن أن ينقلب حراس النظام هؤلاء على النظام نفسه؟

لا يبدو السيناريو مستبعدا، وفي انتظار ما سيؤول إليه قرار المحكمة العليا الأميركية بشأن الإجهاض وتبعات الأمر على هشاشة الوضع المجتمعي الأميركي الداخلي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.